«ثبات الحب الأخوي وانتصاره على الخلافات يحمي

من الزوال»

 

حدثني صديقي الكاتب آرنولدو نيسكير، بالقصة الحقيقية التالية: خلال دراسته لشجرة العائلة بهدف إعداد كتاب عن إحدى الطوائف وعاداتها، اكتشف نيسكير وجود قرابة وثيقة بين جدته وكاهن الطائفة الذي عاش بين عامي ‬1621 و‬1663.

وخلال دراسته وكتاباته، لم ينس الراهب التزاماته العائلية. وكان قادرا على تكريس نفسه لدراسة القانون المدني، نظرا لاقترانه بابنة كاهن آخر ثري جدا. والشيء الوحيد الذي آلمه كثيرا تمثل في الغزو المنتظم لجيش القوقاز بقيادة بوغدان شملنسكي. وكان جنوده في غاية العنف، وفي أحد الأوقات قتلوا أكثر من عشرة آلاف من أفراد تلك الطائفة لسبب بسيط جدا، وهو أنهم من أتباع الطائفة.. هل يمكن لأحد أن يتخيل ذلك؟!

وفي إحدى تلك الغزوات العسكرية، غطى الكاهن طفلته المولودة حديثا ببطانية، واتجه نحو أعماق الغابة محاولا إنقاذها والهرب من العنف. وفي اليوم التالي، شعر بأن الطفلة قد أغمي عليها، وأدرك أنها ربما تلفظ أنفاسها الأخيرة. ونظرا لجهله بالأمور الطبية، وضعها برقة على الأرض، وذهب طلبا للمساعدة.وقبل أن يتمكن من العودة، انسحب جيش القوقاز من المنطقة، ودخل الملك البولندي المدينة عبر الغابة. وعثر أحد جنوده على الطفلة، واستُدعي طبيب البلاط الملكي لتشخيص مرضها. وكانت في غاية الضعف وتحتاج لمساعدة عاجلة، فتم نقلها إلى القصر الملكي، حيث شفيت بعد شهرين من العلاج المكثف.

ومنذ ذلك الحين أصبحت صديقة حميمة لابنة الملك الأميرة ماريا، ونشأت الطفلتان وترعرعتا معاً حتى سن السادسة، وعوملت الطفلة كأميرة متبناة، واستمتعت بامتيازات الأميرة الحقيقية. لكنها رفضت التحول إلى الديانة الكاثوليكية بعد أن تناهى إلى سمعها قصتها الحقيقية، وأنها كانت تتبع إحدى الطوائف الدينية الأخرى، فأصرت على اتباع ديانة قومها.

عادت الطفلة بعد ذلك لكي تعيش في كنف عائلتها، وأصبحت الأوقات التي قضتها في القصر مجرد ذكريات ممتعة لكنها بعيدة. ثم باشرت الحكومة بجمع الضرائب الباهظة من هذه الطائفة، استعداداً لحرب أخرى. وأدركت عائلة الصبية أنها إذا استمرت على ذلك المنوال فستتعرض للإفلاس، ففكرت باللجوء إلى ابنتها، فهي في نهاية المطاف صديقة الأميرة. وكانت قد مرت فترة طويلة على آخر لقاء جمع بين الصديقتين، ولكن لا ضير في المحاولة. فطلبت الفتاة لقاء الأميرة ماريا، فوافقت على ذلك نظرا لاشتياقها الكبير لصديقة الطفولة. وامتلأ اللقاء بالبهجة والمرح، وكان مشحونا بالعواطف الجياشة. وأثناء إبلاغ الفتاة صديقتها الأميرة بالتطورات الأخيرة وانعكاسها على طائفتها، لم تستطع كبت عواطفها، فأجهشت بالبكاء على الفور. وقد تحدثت ماريا مع والدها الذي قرر الاستجابة لطلب ابنته والأميرة المتبناة. وبسبب بقاء الحب الأخوي، وعدم تعرضه للزوال بمرور الوقت، أو نتيجة الخلافات، أمكن إنقاذ تلك الطائفة من الدمار.