عندما تختبر الجذب بقوة على نفسك
ركزه فحسب على شيء يتطلب ذلك وإلا عليك توفير طاقتك
خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، كانت لدي ثلاثة ميول عاطفية جارفة، من النوع الذي يدفعك لقراءة أي شيء تجده عن موضوع معين، وتتحدث عنه بحرص شديد، وتسعى لإيجاد أناس يشاطرونك الرأي فيه، وتغط في نوم عميق وتستيقظ وأنت تفكر فيه.
شعرت بالولع الأول، حينما اشتريت جهاز كمبيوتر، وتخليت عن الآلة الكاتبة إلى الأبد، واكتشفت الحرية التي أتاحها لي هذا الجهاز. وأنا أكتب هذه المقالة الآن في بلدة فرنسية صغيرة، مستخدما شيئا يزيد وزنه قليلا على 3 أرطال، ويحتوي على نتاج 10 سنوات من حياتي المهنية، وأستطيع من خلاله العثور على أي شيء أريده في أقل من 5 ثوان.
وشعرت بالولع الثاني حينما استخدمت الانترنت لأول مرة، وكانت حتى في ذلك الوقت أكبر من أضخم مكتبة تقليدية هائلة.
غير أن الولع الثالث لم تكن له علاقة بالتقدم التقني، وهو عبارة عن قوس نشّاب وسهام. في أيام شبابي قرأت كتابا رائعا يحمل عنوان «الزن في فنون الرماية»، وهو من تأليف يوجين هيرجل، ويشير فيه المؤلف إلى استخدام فنون الرماية لوصف رحلته الروحانية. وقد بقيت هذه الفكرة عالقة في عقلي الباطن إلى أن التقيت برامي سهام ذات يوم، وتحدثت معه، فأعارني قوسا وبعض السهام. ومنذ ذلك الحين لم يمر يوم دون أن أتدرب على الرماية.
وفي منزلي بالبرازيل، قمت بنصب هدفي، وهو من النوع الذي يمكن إنزاله في غضون دقائق معدودة، عندما يقصدني بعض الزوار. وعندما توجهت إلى الجبال الفرنسية ظللت أتدرب يوميا في الخارج، مما ألزمني الفراش مرتين، نتيجة انخفاض درجة حرارة جسمي، بعد أن قضيت أكثر من ساعتين في درجة حرارة تبلغ 6 مئوية تحت الصفر. واستطعت حضور المنتدى الاقتصادي في دافوس هذا العام بصورة جزئية بفضل استخدامي مسكنا قويا للألم. وقبل أيام أصبت بالتهاب عضلي مؤلم، بسبب مد ذراعي في الاتجاه المعاكس.
أين تكمن الروعة في ذلك؟ تكمن في تمكني من إطلاق سهامي على هدف بالقوس، وهو سلاح يعود تاريخه إلى 30 ألف سنة قبل الميلاد. لكن يوجين الذي أيقظ هذه العاطفة في نفسي، كان يدرك عما كان يتحدث عنه. وفيما يلي بعض المقتطفات من كتابه «الزن في فنون الرماية»، التي يمكن تطبيقها على نشاطات عدة في حياتنا اليومية:
عندما تختبر الجذب بقوة على نفسك، ركزه فحسب على شيء يتطلب ذلك، وإلا عليك توفير طاقتك، تعلم من خلال القوس أنك لكي تحقق أمرا ما، فإنك لا تحتاج إلى أن تخطو خطوة عملاقة، بل أن تركز على هدفك فقط.
زلقد منحني معلمي قوسا صلبة جدا، وسألته لماذا يباشر بتدريبي به وكأنني محترف؟. فأجابني: إذا بدأت التدرب على أمور سهلة، فإنها ستجعلك غير مستعد للتحديات الكبرى، ومن الأفضل أن تدرك بصورة فورية المصاعب التي قد تواجهك على قارعة الطريق.
ولفترة طويلة لم أكن قادرا على سحب القوس بصورة صحيحة. وذات يوم استعرض معلمي أمامي تمرينا في التنفس، وفجأة أصبح كل شيء سهلا. سألته حينذاك: «لماذا استغرقت كل هذا الوقت لتصحيحي؟». فأجاب قائلا: «لو جعلتك تشاهد التمرين منذ البداية لاعتقدت أنه غير ضروري، والآن ستصدق كل ما أقوله، وستتدرب عليه كأنه مهم حقا، فهذا ما يفعله المدربون الماهرون».
أصبح إطلاق السهم يتم بصورة غريزية، ولكن عليك في البداية أن تكون لديك معلومات حميمة عن القوس، السهم، والهدف. وحينما يتعلق الأمر بتحديات الحياة، فإن القيام بالحركة المثالية تحتاج إلى الحدس، غير أننا ننسى هذه الوسيلة ما أن نجيد هذه الحركة بالكامل.
وبعد 4 سنوات، عندما أجدت الرماية هنأني معلمي، وشعرت بالسرور وقلت له إنني أصبحت الآن في منتصف الطريق. لكنه أجابني: «لا، فلكي تتجنب الوقوع في الشراك الخادعة، من الأفضل لك أن تعتبر أنك قطعت منتصف الطريق في رحلتك في الوقت الذي تكون قد قطعت 90% منها.
ملاحظة: قد يكون استخدام القوس والسهام عملا خطيرا، ففي بعض الدول يصنفان كسلاح خطير، ولايمكن التدرب بهما على الرماية إلا إذا كانت لديك الرخصة الضرورية، ويجب أن تقوم بذلك في أماكن مسموح بها بصورة صريحة.
