طلب الحكيم

من الجميع أن يخطوا مشكلاتهم علي قصاصات من الورق وأن يضعوا هذه القصاصات أمامه.

يحكى أنه كان يوجد في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، حكيم معروف عاش في جبال الهيمالايا. ونتيجة لملله من العيش مع الناس، اختار أن يعيش حياة بسيطة بعيدا عنهم. وكان يمضي جل وقته في التوسط بين الناس وحل مشكلاتهم.

غير أن شهرة هذا الناسك طبقت الآفاق، بحيث إن الناس أصبحوا راغبين في مقابلته، بسبب اعتقادهم أنه قادر على حل أي مشكلات عاطفية أو نفسية. وكانوا يسيرون عبر الدروب الضيقة، ويتسلقون التلال شديدة الوعرة، ويقطعون الأنهار سباحة، للوصول إليه.

وبسبب مشاعره الرقيقة، وشفقته الكبيرة على الناس، كان يسدي النصائح إليهم بكثرة. وبرغم أنه حاول التخلص من الزوار غير المرغوب فيهم، إلا أنهم ظلوا مع ذلك يتقاطرون عليه زرافات ووحدانا.

وفي أحد الأيام، طرق بابه حشد من الناس، وأبلغوه أن أخباره العظيمة نشرت في صحفهم المحلية، وكان كل واحد منهم واثقا من أن الحكيم قادر على مساعدته في التغلب على المصاعب التي تعترض حياته.

لم ينبس الحكيم ببنت شفة، لكنه طلب منهم الجلوس والانتظار. ومرت ثلاثة أيام، وتقاطر عليه مزيد من الناس. وعندما لم يعد هناك متسع لأي شخص آخر، خاطب الناس الذين كانوا متجمهرين خارج منزله قائلاً:

«اليوم سأقدم الجواب الذي ينتظره الجميع بلهفة كبيرة، ولكن عليكم أن تعدوني في حال حل مشكلاتكم، بألا تخبروا أي زائر جديد بأنني انتقلت إلى هذا المكان، حتى تتمكنوا من مواصلة العيش في خلوتكم، التي تتوقون إليها كثيرا. وأقسم الرجل والنساء بأغلظ الأيمان بأنه إذا استطاع الحكيم تحقيق وعودهم، فلن يدعوا أي زائر آخر يتسلق الجبل.

وبعد أن طلب منهم أن يخبروه عن مشكلاتهم، بدأ أحدهم يتحدث، لكن سرعان ما قاطعه آخرون، وكان الجميع يدرك أن هذه جلسة استماع عامة عقدها لهم هذا الرجل الحكيم، وكانوا يخشون ألا يكون لديه وقت كاف للاستماع للجميع. وبعد دقائق سادت المكان فوضى كبيرة، وبدأت الأصوات تتعالى، وتتداخل فيما بينها، في الوقت نفسه. كان الناس يصرخون، والرجال والنساء يشدون شعورهم من شدة اليأس، لأنه كان يستحيل سماعهم. وسمح الحكيم بإطالة هذا الوضع قليلاً، إلى أن أمرهم بالسكوت، وعلى الفور سكت الجميع.

طلب الحكيم من الجميع أن يخطوا مشكلاتهم على قصاصات من الورق، وأن يضعوا هذه القصاصات أمامه. وعندما انتهوا من الكتابة، قام بخلط جميع قصاصات الورق في سلة صغيرة، ثم قال لهم: «مرروا هذه السلة بينكم، وليلتقط كل واحد منكم قصاصة منها، ويقرأها، وعندئذ عليكم أن تختاروا بين إبقاء مشكلاتكم، أو أن تحصلوا على المشكلة التي أعطيت لكم».

التقط كل واحد من الحاضرين قصاصة ورق من السلة، وقرأها، وشعر بهلع شديد. واستنتج الجميع أنه مهما كان ما كتبوه سيئا، فإنه لا يبدو مؤلما وخطيرا بقدر مشكلات جيرانهم. بعد مرور ساعتين، تبادلوا قصاصات الورق فيما بينهم، واضطر كل واحد أن يعيد قصاصة مشكلاته الشخصية إلى جيبه، وهو يشعر بالارتياح لأن محنته لا تبدو صعبة بالدرجة التي تصورها.

شعر الجميع بالامتنان الشديد للرجل الحكيم بسبب الدرس الذي تعلموه منه، وهبطوا من الجبل، وكل واحد منهم واثق بأنه أصبح أسعد حالاً من الباقين. ووفوا بوعودهم، ولم يدعوا أحدا يعكر صفو السلام الذي يعيش الناسك في ظله.