أنا ابن البصرة، مقبرة أجدادي شاهدة على امتداد عرقي في هذه المدينة الفريدة في نكبتها بين مدن العالم، ورغم حب البصريين لترابها، إلا أنهم اضطروا لهجرتها، طلباً للأمن والأمان، فالبصريون أغنياء في نفوسهم وأبوابهم مشرعة لكل عابر سبيل، وقلوبهم معطرة بحب الناس.
غير أن هذه المدينة كانت ضحية معظم حكّام العراق، ونحن أهل البصرة نشبهها بأمثالنا فنقول (بعد خراب البصرة)، أو حينما نصف دمارها نقول: (مثل الصبورة مأكولة ومذمومة) والصبورة هي السمكة التي تعيش وتتوالد في شط العرب ولا تنتقل منه إلى دجلة أو الفرات أنها سمكة عنصرية ترتبط بنهرها وبإنسانها.
حكام العراق على تعدد أسمائهم لم يعمروا المدينة، بل أن صدام حسين كان يتمنى لو لم يبنها ابن غزوان، وقرر الغاءها من الخارطة، البصرة أغنى محافظة في العراق بنهرها العظيم، وأهوارهها المنتجة، وأرضها الخصبة، ونفطها الغزير خاصة بحقل مجنون الذي يعتبر أغزر وأغنى حقول النفط في الشرق قاطبة، هذا إلى كونها بوابة العراق على العالم، إذ تقع حدودها البحرية على الخليج لتصبح الميناء الوحيد للعراق، أضف إلى ذلك إبداع أهل البصرة في العلم والفن والأدب.
كان في البصرة وحدها أكثر من 25 مليون نخلة تنتج أجود أنواع تمور العالم، وبقرار سياسي أحمق أحرقت غابات النخيل من قبل السلطة المركزية في عهد صدام مبرراً ذلك بموقفه العسكري في الحرب العراقية الإيرانية، ولم يبق فيها سوى أربعة ملايين نخلة منخورة ومريضة تقاوم السوسة والمرض والعطش الذي حل في المدينة التي تمتلك كل هذه الأنهار والمساحات المالية.
ما زالت قبور عظمائها شاهدة على عظمة المدينة، مسجد الإمام علي، مقبرة الحسن البصري الأبلة، المعقل، مرقد الزبير أعلام المدينة الآخرين، البحتري، الجاحظ، أبو الأسود الدؤلي، الأصمعي، عتبة بن غزوان، بدر شاكر السياب، محمود البريكان، وعشرات من أسماء الأعلام التي ينطوي عليها تاريخ هذه المدينة.
البصرة تحتضر.. اغتالها حكام البلاد، إهمالاً.
أو انتقاماً من طيبة أهلها وكرمهم وعلاقتهم الأسرية مع دول الجوار والمدن المتداخلة معها، فللبصريين اختلاط بالأنساب مع الكويت، والسعودية، ومدن إيران الحدودية، ولأن أهلها مسالمون يجمعهم الحب، حصدوا كراهية الحاكم المستبد فاحرقت المدينة ابتداء من ثورة الزنج في القرن الثالث الهجري وحتى زمن المالكي الذي لم يلتفت إليها بكل ما جاء به في بيانه الوزاري عند توزيره.
تركناها قسراً دون أن يهجرها القلب.
أيها الطيبون أنقذوا المدينة قبل أن تموت.
