حكمتُ في جوائز عديدة، في المسرح والأدب، غير أني في كثير من الأحيان لا أعرف أسماء المرشحين، أو ربما لا أعرفهم شخصياً أو ألتقي بهم.
حينما أشارك في التحكيم أحاول أن أنسى كل السلطات وكذلك الأنا التي يعيشها كل مبدع، وأحاول أن أتخلى من أساليبي في الكتابة، أو عن نهجي في المسرح، حتى أكون أكثر حرية في اتخاذ القرار المناسب، كما انني أكتب ملاحظاتي عن كل نص حتى لا أعتمد على ذاكرة قد تكون مثقوبة.
لم أتعذب في دواخلي ذات يوم، لأني اشعر بأنني اتخذت القرار العادل، وأنصف الفائزين، بعد أن الغي كل السلطات التي تتحكم باتخاذ القرار، إلا سلطة واحدة هي التي لا يمكن غيابها، سلطة الإبداع هي التي تحكمني وتحكم قراري وضميري وتبعدني عن الشبهات والخوف الذي يظل يلازمني لئلا أظلم مبدعاً.
في احتفال أدبي كنت أحضره، وحينما انتهى المنتدى، شق شاب جمهرة الناس، وحياني، شاب نحيف مرسوم الأمل على وجهه من خلال ابتسامة لم تفارق هذا الوجه الحنطي اللون، مد يده وصافحني . . قال لي :
- ان معجب بكتاباتك.. وكذلك ما تقدمه على خشبة المسرح.
شكرته على إعجابه بي خجلاً، وأنا فعلاً أخجل من الإطراء وأردت أن أساله عن أسمه وهواياته، أو رأيه في أعمالي.. إلا أنه استكمل حديثه معي بسؤال.
- ولكنك لم تنصفني.. كنت استحق جائزة.. أو حتى نصفها مع زميل آخر.. لم استطع أن أرد عليه، فلم أكن أعرف عن أي جائزة يتحدث، وحينما عدت إلى طبيعتي، واستجمعت كلماتي، كان قد غاب عن ناظري.. حاولت البحث عنه دون جدوى.
هي المرة الأولى التي يواجهني بها من لم يفز.. كم تمنيت أن أعرف عنه شيئاً.. ولكنه ترك عندي اسئلة عديدة ستظل تقلقني حتى وأنا أبدأ في التحكيم بجائزة أخرى.
أنا أدرك تماماً أن ليس كل من يفوز هو الأحق من غيره، وليس كل من لم يفز ليس مستحقاً، أن الحكم على الجمال نسبي، والحكم على المبدع نسبي أيضاً، والعدالة نسبية، حياتنا أصبحت نسبية إلا حقيقة واحدة هي التي ظلت لا تقبل خيار النسبية «الموت»، القياسُ في الإبداع لا يقاس بالمسطرةِ والقلم.
الكثير من المبدعين لم يفوزوا بأي جائزة، بل وتكريم أيضاً، معظمهم كرموا بعد رحيلهم، وكأننا نستيقظ فجأة وندرك أن الذي غادرنا قد استحق إعجابنا وحجبناه عنه، وأنا أجد أنه ليس بالضرورة أن يفوز المبدع، وأنا ما جربت شخصياً أن أتقدم لأي جائزة ولكن جهات كثيرة كرمتني، كان التكريم أهم من الجائزة، إلا أن هذا الشاب لم يمح من ذاكرتي، وحرض ضميري لأن أدقق أكثر في كل ورقة تحكيمية تعرض علي.
