الكاغد يعني الورق، وهي كلمة فصيحة عممت فاستعملها العامة على أنها كلمة دارجة، يذكر الثعالبي في لطائف المعارف «قراطيس مصر للمغرب ككواغيد سمرقند للمشرق، ويقول السمعاني في الأنساب «إن الكاغد لا يعمل في المشرق إلا بسمرقند».
ورغم أننا نستهلك آلاف الأطنان من الورق لكافة الأغراض التي يستعمل بها ولكن قلما نجد بلداً عربياً عرف بصناعة الورق، حتى العراق الذي كان مؤهلاً لإنتاج الورق لوجود المواد الأولية الرخيصة، إلا أن معامل الورق تعطلت وأهملت بعد أن قضى صدام حسين على الأهوار وحول مجرى دجلة والفرات عنها، والورق اكتشاف صيني يعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد ومما يذكره التاريخ الحضاري، أن هذه المنتجات كانت تصنع من الخرق ثم تطورت صناعته فاستعملت أوراق التوت، ثم اعتمدت تلك الصناعة على البردي والقصب والبامبو.
اشتهرت خراسان في وقت لاحق بصناعة الورق كما يذكر أبن النديم (فأما الورق الخراساني فيعمل من الكتان) وقد اتفق الباحثون على أن الصين هي الأقدم في صناعته. أما سمرقند فقد أصبحت في وقت من الأوقات أهم مراكز إنتاج الورق ويذكر ياقوت الحموي أن ابن خنرابة كان يصنع الكاغد للوزير أبي الفضل في سمرقند وينقله إلى مصر.
أما في بغداد فيذكر ابن خلدون بمقدمته أن الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي انشأ معامل تصنيع الورق حسب المواصفات التي شاهدها بنفسه في سمرقند، وقد بلغت دقة صناعته في مرحلة لاحقة ساعدت على تطور المعرفة والفكر في عاصمة الرشيد، إذ أصدر الخليفة أمراً بتعميم الكتابة على الكاغد ومنع الكتابة على الجلود.
ويعدد ابن النديم أنواع الورق فيذكر (السليماني، الطلحي، النوحي، الفرعوني، الجعفري، الطاهري) أما ياقوت الحموي فقد ذكر أنواعاً أخرى مثل (الجبهاني، المأموني، المنصوري)، وللورافين دكاكين في بغداد كما يذكر اليعقوبي، ويؤكد وجود أكثر من مائة حانوت في سوق الوراقين، كما يؤكد النقبشندي في صبح الأعشى على جودة الورق البغدادي فيقول أعلى أجناس الورق فيما رأيناه البغدادي، وهو ورق ثخين مع ليونة ورقة حاشية، وتناسب أجزائه، وقطعه وافر جداً، ولا يكتب فيه الغالب إلى المصاحف الشريفة، وربما استعمله كتاب الإنشاء في مكاتبات الاتفاقيات ونحوها).
وقد اشتهرت طرابلس في بلاد الشام أيضاً بل كان الورق الذي يصنع فيها ينافس بشدة ورق سمرقند، وقد تعددت بعد ذلك مراكز صناعة الورق في الإمبراطورية العربية الإسلامية.
والسؤال الذي يطرح نفسه ونحن نستورد الورق الآن، من عدة دول أجنبية إلا يمكن للعرب صناعته في واحدة من البلدان العربية والاعتماد على السوق العربي في توزيع منتجاته ما دمنا بحاجة فعلية للورق فهو مادة أساسية في حياتنا العامة والخاصة وكثرت استعمالاته حتى دخل غرفة العمليات وعيادات الأطباء، والمطابخ ومطاعم الأكل السريع وغيرها.
