منذ قرون والعراق يواجه الصعوبات والويلات في يومياته، دائماً أقول أنه قدر العراقيين، وأنهم تعودوا التحديات، وقد أنعكس هذا الوضع على الجانب الإبداعي في الأغاني والقصائد والأدب والقارئ للتاريخ العراقي، لن يستوعب تسلسل الأحداث، وقسوة الحياة في هذا الوطن لما سيفاجئ بأحداث جسام لذا ربما أنعكس ذلك على بعض سمات الشخصية العراقية لجمعها التناقضات أحياناً، بين رومانسية شديدة العذوبة، وقسوة بل قل قوة رجالية في الموقف والمحن والصعاب.

دجلة شريان الحياة في العراق يعاني اليوم من انخفاض مستوى الماء فيه حتى الجفاف في بعض المناطق، هددت دجلة بغداد ومدن العراق نتيجة فيضانه في بداية الخمسينات، إلا أن كتب التاريخ تذكر أن عام 1914 أغرق دجلة بغداد والعراق برمته، وقد هرع الناس بكل طبقاتهم لعمل سدود ترابية حماية لأرواح الناس، ومما يذكر أن أحد علماء الدين الشيخ سعيد النقشبندي كان يحث الناس خطيباً وهو يبكي بل خلع جبته وأخذ يحمل التراب ليشارك الناس في عمل السدود الترابية.

إنه في عام 1914 أحتل الأنجليز البصرة فكان الناس يعانون الأمرين من فيضان شط العرب والاحتلال الأجنبي.. وكانت البصرة قد حوصرت عام 1905 من قبل إيران وقد أصاب الطاعون الناس، إضافة إلى الحصار، فكانت جثث الناس مرمية في الشوارع، إذ لم يستطع الناس دفن موتاهم لشدة الوباء وصعوبة الحصار.

لم يشاهد أهل بغداد طائرة في سماء المدينة إلا في عام 1915، إذ استيقظ الناس على دوي طائرة بريطانية عسكرية تحوم في سماء بغداد المعروفة بأسراب الحمام، وقد أرتعب الناس، وتوقعوا الأسوء من هذا الاستعراض وسرعان ما حملت هذه الطائرات القنابل وقصفت بغداد عام 1917، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم فإن أهالي بغداد يخشون هذه الطائرات وصواريخها.

في يوم الأحد 10 مارس عام 1917 سقطت بغداد على أيدي الجيش البريطاني وفي نفس اليوم قصفت الطائرات البريطانية مدينة سامراء وعلى أثر سقوط بغداد نظم الشاعر معروف الرصافي قصيدته (نواح دجلة) إذ يقول بمطلعها:

هي عيني ودمعها نضاح

كل حزن لمائها يمتاح

كيف لا أذرف الدموع وعزي

بيد الذل هالك مجتاح

وكان العراق قبل الاحتلال الأنكليزي خاضع للحكم العثماني الذي أساء كثيراً للعراق خاصة في حروبه الطويلة مع الصفويين، وقد جعلا العراق ساحة حرب بينهما لتصفية مشاكل الدولتين العثمانية والصفوية وكان أهل العراق يدفعون الثمن من دماء أبنائهم وخراب وطنهم.

خلال القرن العشرين خسر العراق من أبنائه في مثل هذه الحروب والكوارث والمشاكل ملايين الشباب لم تصدر أية حكومة من الحكومات التي تعاقبت منذ ما يسمى الحكم الوطني الملكي وحتى اليوم أحصاء دقيقاً لما فقد العراق من بشر أغلبهم من الشباب الذين كانوا حطباً لتلك الحروب والكوارث.

abdulelah_q@hotmail.com