هذا ليس إعلاناً عن بيع وظائف ما، فلا أملك السلطة ولا الموقع الرسمي، ولست تاجراً حتى أبتكر بضاعة استرزق من ورائها حتى كانت على حساب الناس، انما قرأت بعض الطرائف التي اشتهر بها تاريخ مصر في زمن المماليك.

والحكاية أن الخديوي إسماعيل قد عين أخاه بالرضاعة إسماعيل صديق مفتشاً لعموم الأقاليم المصرية فاستغل إسماعيل المفتش (بعد اختصار الاسم) هذا المنصب في إثراء غير مشروع حتى تضخمت ثروته وتضاعفت فكتب عنها أمين باشا سامي في كتابه تقويم النيل بعد أن نفي المفتش يقول ( إن عقارات المفتش عند نفيه كانت نيفا وثلاثين ألف فدان، وثلاثة قصور في القاهرة، وقصراً على ضفاف المحمودية، وجواهر قيمتها ستمائة ألف جنيه انجليزي، واسهماً وسندات بنصف مليون من الجنيهات، وأخيراً سبعمائة جارية شركسية بيضاء، وخمرية مسكرة، وسمراء فاتنة، وحبشية ذات عيون بقرية، وبرونزية موشومة ذات نهود سفرجلية، وسودانية فحماء متقدة الدم الهائج).

هذه ثروته عند نفيه بعد أن اشتكاه الناس إلى الخديوي وغضب منه ونفاه ثم قتله وأخفى جثته في السرايا بالزمالك، كان ذلك تحديداً عام 1876.

من ممارسات إسماعيل المفتش أنه كان يبيع الوظائف على المصريين، بينما كان الخديوي إسماعيل لا يحبذ ولا يريد أن تتمصر الوظائف، وكان يريدها حكراً على الأتراك إلا أن حب المال عند المفتش وجشعه دفعه لأن يخالف قانون الخديوي، فاستفاد المصريون من خيانته وجشعه بأن اشتروا الوظائف.

وقد وضع المفتش تسعيرة خاصة فالمدير بين ألفين إلى ثلاثة آلاف جنيه، ووكيل المديرية من ألف إلى ألف وخمسمائة جنيه، ووظيفة ناظر قسم حوالي سبعمائة جنيه وهكذا تستمر التسعيرة وقد وجد المصريون فرصة في ذلك، وسارع الأعيان الذين يملكون المال على شراء الوظائف الإدارية العليا، والطريف أنه ليس هناك مواصفات مطلوبة، إلا أن تشتري بمالك وظيفة ما، حتى يقال إن معظم هؤلاء المسؤولين لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة، ولكنهم كانوا يمتلكون المال الكافي لشراء الوظائف العليا، مثلما حصلوا على الجاه والمواقع المؤثرة في سياسة وعمل الدولة.

لقد كان إسماعيل المفتش مثالاً وأباً روحياً للفساد الذي كان يعم عموم مصر في زمن الخديوي إسماعيل، إلا أن المفتش مكن المصريين من حكم بلادهم، دون أن يدري ومن ثم حاول أبناؤهم التعلم في المدارس، والجامعات، وسافر بعضهم إلى أوروبا لا للسياحة فحسب بل وللتعليم بجامعاتها أيضاً، وقد شكلوا لاحقاً القاعدة الأساسية في الحياة السياسية المصرية وكانوا نواة لطبقة الأعيان البرجوازية التي ملكت السلطة والوظيفة إلى جانب المال، واستطاعت أن تشكل حراكاً سياسياً واجتماعياً خاصة بعد عودة طلاب البعثات الذين ذهبوا إلى باريس أو عواصم أوروبا الأخرى.

abdulelah_q@hotmail.com