الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتي أهم من أرخ لمصر، وبالرجوع إلى تاريخه يمكننا أن نتلمس العديد من المحطات الهامة في حياة المصريين خاصة تلك الفترة التي استولى بها محمد علي باشا على عرش مصر وشكل دولة المماليك مستفيداً من تجربة نابليون بونابرت وثنايا فشله في حكم هذا الشعب، في بعض ما يذكره الجبرتي يمنحنا الحكمة وأيضاً تسلية للقارئ، إذ يذكر أن جنود المماليك تمردوا على قائدهم محمد علي حين أراد أن يستبدل ملابسهم بالملابس (المقمطة) كالتي كان يلبسها الفرنسة، وهذا جزء من صراع محمد علي صاحب النزعة الأوروبية، وجنوده المنتمين إلى العثمانيين الأتراك.
كان محمد علي دكتاتوراً وظالماً على الرغم مما حققه من مكاسب وإنجازات لمصر، بل كان جشعاً في حبه للثروة الجاه والسلطة، وهو الذي أبعد كل المصريين من الحكم ومما يذكره التاريخ أنه لم يعين ولا مصرياً واحداً مسؤولاً في دولة المماليك، يقول الجبرتي، أنه عين باغوس بك، ويوسف كنعان الأرمنيين وزراء للتجارة، وكان مدير الجمارك أرمنياً أيضاً اسمه كرابيت، والسلحدار سليمان آغا، والخازندار محمود بك وهما تركيان، ودفتر داره محمد بك صهره، أما الولاة في الأقاليم فجميعهم من الأتراك، وقد شاخوا على أهل البلاد حتى أن الجبرتي يصفهم بالقول:
«ترأسوا، وعلت أسافلهم، ولبسوا الملابس الفاخرة، وركبوا البغال والرهوانات، وأخذوا بيوت الأعيان، التي بمصر القديمة، وعمروها وزخرفوها وعملوا فيها بساتين وجناين وذلك خلاف البيوت التي لهم بداخل المدينة، ويركب الكلب منهم وحوله وأمامه عدة من الخدم والقواسه، يطردون الناس من أمامه وخلفه». أصبحت مصر برمتها ضيعة لمحمد علي باشا، وقد حاول جاهداً أن يجملها ويبنيها على الرغم من سوء حكمه، أو كما يقول الجبرتي أيضا:
«فلو وفقه الله لشيء من العدالة، على ما فيه من العزم والرياسة والشهادة والتدبير والمطاولة، لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه».
«وحتى نكون دقيقين لهذه الفترة من حكم مصر، فلا بد من التأكيد إلى أن محمد علي باشا كان الأساس في بناء دولة مصر الحديثة، وكان يسابق الزمن في تحقيق حلمه في بناء أوروبا جديدة على أرض مصر، وفي زمنه ظهر علماء كبار أسسوا لنهضة فكرية كبيرة منهم الجبرتي ذاته، وتلميذه الشيخ حسن العطار صاحب العقل الأزهري المستنير وكذلك رفاعة الطهطاوي.
كانت النهضة شاملة في زمن محمد علي، فالمصريون حينما شاهدوا مصر الجديدة بنهضتها الحديثة، ومعاملها وقناطرها، ومدارسها الحديثة ومستوصفاتها أحسوا بمناخ جديد، مما ولد عندهم طموحات جديدة، تتناسب وعصرهم وتتوافق مع حلم الباشا بجعل مصر باريس الشرق، وقد فعل هذا المملوك ما لم يفعله ملوك أحرار أو رؤساء لم يقدموا لنا سوى شعارات سرعان ما ماتت بانتقال جثثهم إلى القبور مخلفين لنا الدمار والتخلف والفتن والصراعات.
