كم من المرات سحبنا إلى مواقف لم نكن ننشدها، والتي من المستحيل السيطرة عليها، والتي لا تتبلور إلا بعد مضي زمن لا وجود لنا فيه؟
قرأت مؤخرا مقالة بعنوان «أميريغو: كوميديا عن أخطاء التاريخ»، للأديب النمساوي ستيفان زفايغ اليهودي الأصل، الذي اتخذ من البرازيل ملجأ له خلال الحرب العالمية الثانية. بدأ زفايغ مقالته تلك التي كتبها عام 1942، بسؤال بسيط، تعلمنا أن نجيب عليه في المدرسة بالتالي: لماذا تسمى القارة التي ولدنا فيها أميركا؟
علمتنا المدرسات كل شيء يتعلق برسالة الرحالة الإيطالي أميريغو فيسبوتشي (1454 ـ 1512). لكن الأمور تزداد تعقيدا حينما نحاول أن نفهم أهمية فيسبوتشي في هذه القصة: فرسالته على الرغم من أهميتها لا توازي المكانة المحاطة بها، إذ يفترض نظريا أن تدعى القارة «كولومبيا» لكوننا جميعا نعرف أن القارة اكتشفت ( أو بالأحرى أعيد اكتشافها، لأنه وجدت فيها آثار خاصة بالفايكينغ والفينيقيين) من قبل الرحالة الإيطالي كريستوف كولمبوس بتمويل اسباني.
وكلما حاول زفايغ فهم المسار التاريخي بهذا الشأن، شعر بضخامة التشعبات والاجتهادات التي تقود إلى عدم نزاهة أميريغو فيسبوتشي.
ما الذي حدث في الحقيقة؟ قام فيسبوتشي بثلاث رحلات إلى القارة الجديدة ما بين 1499 و1502، وكتب عن كل رحلة جانبا من تجاربه. ومن كتاباته رسالة بعنوان «العالم الجديد» التي حققت أعلى المبيعات لدى نشرها.
وأخذت الصحافة التي ولدت آنذاك مع أجهزة الطباعة المتحركة، على عاتقها نشر أخبار رحلاته في كل أوروبا، بالإضافة إلى الجغرافيين من المدينة الصغيرة سانت ديي في فرنسا، الذين رسموا شاطئ العالم الجديد مع اسم أميركا منذ البداية، استنادا إلى الرسالة التي كتبها المكتشف المفترض.
في حصول أميريغو فيسبوتشي، على اهتمام كبير لم يحظ به أي إنسان آخر في التاريخ، جانب معتم أيضا. وكما يتوقع المرء، ما إن سميت القارة الجديدة حتى بدأت أقاويل الناس بالانتشار ومفادها أن فيسبوتشي سرق المجد من كولومبوس. لم يكن سوى محتال نشر كذبته بين الناس. هذا الأمر فتح جدالا شبه أكاديمي بشأن فيسبوتشي وكولمبوس استمر قرنين من الزمن. وتحول فيسبوتشي من مكتشف إلى وحش حتى عام 1700، حيث عثر على الرسائل المتبادلة بينه وبين كولومبو، والتي تظهر خلوها من المجادلات التي أثارها الآخرون.
أتخيل بعد قراءتي لمقالة زفايغ، كم من المرات سحبنا إلى مواقف لم نكن ننشدها، والتي من المستحيل السيطرة عليها، والتي لا تتبلور إلا بعد مضي زمن لا وجود لنا فيه؟
