باختصار، قلة من قالوا لي: «نحن سعداء». الغالبية تقول: «نحن في أحسن حال، لدينا كل ما نتمناه».
قال لي روبرت فيسك أحد أشهر المراسلين الحربيين ذات يوم، ان أحد الجنود سأله في القطار لدى عودته من حرب إيران والعراق قائلا، «هل تحب الحرب؟ إنها عظيمة، أليس كذلك؟».
لطالما أثار الصحافيون الذين يخاطرون بحياتهم لتغطية الحروب في أرجاء العالم دهشتي وتساؤلي، ترى ما الذي يدفعهم في مهنتهم إلى المخاطرة بحياتهم؟
أجرت كريستينا لامب من صحيفة «ساندي تايمز» مقابلة معي في أحد الأيام. وحينما عرفت أنها كانت مراسلة حربية في أفغانستان، انتهى بنا الأمر إلى قلب الأدوار، وبت أنا من يطرح الأسئلة. كانت كريستينا بمثابة وحي لأحد أبطال روايتي «الظاهر». لكن من قالت لي الحوار الذي دار بينها وبين زوجها والذي اقتبسته في روايتي ، مراسلة أخرى مسؤولة عن تغطية أفغانستان أيضا.
قالت لزوجها قرارها صباح يوم أحد جميل في لندن:
أريد أن أكون مراسلة حربية.
هل أنت مجنونة! لست بحاجة لذلك، فأنت تختارين مواضيع العمل، وتكسبين ما يزيد على احتياجاتك للعيش.
دعني أقل، اني أريد أن أكون بمفردي.
هل هذا بسببي؟
لا، أحب رجلي وهو يحبني.
إذا ما حكاية الحرب هذه في مكان منسي من العالم؟ أليس لديك كل شيء؟
نعم، أحظى بكل شيء ترغب به أي امرأة.
إذا، ما العلة في حياتك؟
لدي كل شيء ومع ذلك لست سعيدة، ذاك هو السبب. لست أنا الوحيدة المعنية بذلك: فقد كنت أقرأ في عيون معظم من قابلتهم أو عشت معهم من مختلف الأنماط: أغنياء وفقراء وأصحاب نفوذ ومخذولون، مرارة لا قرار لها. تعاسة يصعب عليهم تقبلها دائما، لكنها كانت هناك بغض النظر عما يقولون.
ما من أحد سعيد في رأيك؟
بعض الناس يبدون سعيدين: إنهم ببساطة لا يفكرون بالسعادة. البعض الآخر يضع الخطط: الحصول على زوج وبيت وأطفال وربما بيت صيفي. وخلال انشغالهم بذلك، فإنهم كالثيران التي تبحث عن مبارز لها. إنهم لا يفكرون، يتحركون باتجاه الأمام فقط. يشترون سيارة، وفي بعض الأحيان «فيراري». ويعتقدون أن معنى الحياة يكمن في هذه الأشياء، ولا يطرحون على أنفسهم أي سؤال بشأنها. ولكن على الرغم من كل شيء، فإن عيونهم تظهر حزنا لا يدرون بوجوده. هل أنت سعيد؟
لا أدري
وأنا أيضاً لا أعرف إن كان الجميع سعداء. الناس مشغولون دائما: يعملون ساعات تتجاوز ما هو مطلوب منهم، العناية بالأطفال وأزواجهم، ومهنتهم، وشهادتهم وعما سيقومون به في الغد، وما المطلوب شراؤه وما هو ضروري لعدم الشعور بالدونية وغير ذلك. باختصار، قلة من قالوا لي «نحن سعداء». الغالبية تقول، «نحن في أحسن حال، لدينا كل ما نتمناه». وأسأل، «ما الذي يسعدك؟» والجواب، «لدي كل شيء يمكن أن نحلم به، عائلة وبيت وعمل والصحة». وأصر قائلة، «إذا، معنى الحياة هو العمل والأسرة والأطفال، الذين سيكبرون ويتركونا، الزوج أو الزوجة الذين سنصبح فيما بعد أصدقاء لا أكثر. وعندما ينتهي العمل ذات يوم، ما الذي ستقوم به؟»، والجواب هو لا جواب حيث يغيرون الموضوع.
ولكن ماذا عن قصة الذهاب إلى الحرب؟
لأني أعتقد أنه في الحرب، يجد الإنسان نفسه أمام حدوده، فأي كان يمكن أن يموت في اليوم التالي. وبذا فإن رؤيتك العامة تختلف ومعها يتغير كل شيء. نحن قادرون على تحقيق أكثر الأفعال وحشية وبطولة.
لا أدري إن كان تفسيري صحيحا، لكنه يشرح وجود صديقتي في هذه اللحظة بينما أكتب مقالتي في جبهة أفغانستان.
