بكثير من الإثارة

مضينا إلى سرداب هذا المبنى العتيق فتح باب قديم ووجدنا أنفسنا في قاعة ضخمة بها كل ما يخطر

على بال من أشياء

جمعت على مر القرون

أذهب مرة في العام إلى دير بينيديكتين في بلدة مالك في النمسا لحضور اجتماعات ولدزين. وهناك نبقى في ما يشبه المنتجع طيلة إجازة الأسبوع برفقة الفائزين بجائزة نوبل وعلماء وصحافيين، وما يقارب من 24 شخصاً من الشباب والضيوف.

ويمضي الوقت بين طهي الطعام والتنزه في الحديقة بين الآثار التي ألهمت أمبرتو إيكو «اسم الوردة» ، والتحدث ببساطة عن المدنية بين الماضي والحاضر. في تلك الإجازة ينام الرجال في الأروقة والنساء في فنادق قريبة.

وقد جمع اجتماع عام 2005 كل ما يمكن توقعه، خاصة النقاشات العاطفية ولحظات السعادة في المصارحة والمواجهة. عاد أغلب الضيوف بعد ذلك الاجتماع إلى بلدانهم مساء يوم الأحد، باستثنائي لمشاركتي مع المنظمين في الافتتاح الرسمي للطريق إلى سانتياغو في النمسا. كان علينا قضاء الليلة في الدير، وعليه دعانا الأب مارتن لتناول العشاء معه في «مكانه السري».

وبكثير من الإثارة مضينا إلى سرداب هذا المبنى العتيق. فتح باب قديم ووجدنا أنفسنا في قاعة ضخمة بها كل ما يخطر على بال من أشياء جمعت على مر القرون والتي رفض مارتن رميها.

آلات كاتبة قديمة، معدات تزلج، خوذات من الحرب العالمية الثانية، أدوات قديمة، كتب توقف توزيعها، وزجاجات نبيذ. دزينات بل مئات الزجاجات المغبرة التي اختار أفضلها القس بورخارد في بداية العشاء. وأنا أعتبر بورخارد من أساتذتي الروحيين، على الرغم من أننا لم نتبادل أكثر من جملتين (فهو يتحدث الألمانية).

كانت عيناه تنمان عن الطيبة وابتسامته تعبر عن تعاطف كبير. أذكر أنه كلف في أحدى المرات بتقديمي في محاضرة، واختار قولا لي من روايتي «إحدى عشرة دقيقة» (التي تتحدث عن تجارة الجسد والمشاعر)، مما أثار امتعاض الحضور.

كنت، خلال تناولي الطعام، على وعي كامل أني أعيش لحظات استثنائية في هذا المكان الفريد. وفجأة أدركت شيئا مهما: كان كل شيء في السرداب مرتبا، ورأيت المغزى المتمثل في ماضي تلك الأشياء التي كان لها دور تاريخي في بناء الحاضر.

وتساءلت مع نفسي: ترى ما الذي هو مرتب ومنظم في ماضيّ، ولم أعد أستخدمه؟ تجاربي جزء من حياتي اليومية، إذا لا تنتمي إلى السرداب. وعليه فإن التحدث عن التجربة غير صحيح. كيف تكون الإجابة الصحيحة؟

ـ أخطائي الشخصية

نعم، بالنظر إلى السرداب في دير مالك، وإدراكي أنه لا يتم رمي كل ما هو خارج الاستخدام، أدركت أن الكامن في سرداب روحي أخطائي. تلك الأخطاء ساعدتني في أحد الأيام في العثور على الدرب، ولكن بعد استيعابي لها، لم تعد لها أية جدوى. ومع ذلك عليها أن ترافقني كي لا أنسى، أني بسببها انزلقت ووقعت وبالكاد ملكت القوة للنهوض مجدداً.

في تلك الليلة، قمت بعمل قائمة بعد عودتي إلى غرفتي. وفيما يلي مثالان مما كتبت:

الأول: اعتداد الشباب. في كل مرة تمردت بحثا عن درب صحيح كان أمرا إيجابيا. ولكن في كل مرة تكبرت معتقدا أن هؤلاء الأكبر مني سنا لا يفقهون شيئا، خسرت فرصة مهمة لتعلم الكثير.

الثاني: نسيان الأصدقاء. مررت بالكثير من الظروف بين القمة والقاع. ومع أول صعود لي إلى القمة، اعتقدت أني غيرت حياتي وقررت أن أحيط نفسي بأناس جدد. بالطبع، في انحداري إلى القاع ابتعد عني جميع الأصدقاء الجدد ولم أستطع استعادة أصدقائي القدامى. من حينها بت أحرص على صداقاتي كشيء لا يتغير مع الزمن.

القائمة ضخمة بعكس مساحة المقال هذا. ولأن أخطائي علمتني كل ما أنا بحاجة لمعرفته، فمن المهم أن تبقى في سرداب روحي. بهذه الطريقة، حينما أنزل السرداب بين الحين والآخر بحثا عن نبيذ الحكمة، أستطيع تأمل أخطائي وقبولها كجزء من تاريخي، لكونها لبنة في دعائم ما أنا عليه اليوم. لذا عليّ تحملها بصرف النظر عن أسلوب ترتيبها أو دورها. وإن لم أفعل ذلك فإنني أخاطر بارتكاب الأخطاء ذاتها من جديد.