ما تتناقله الصحف والتقارير عن الحالة الثقافية في بغداد يحزننا نحن الذين عشقنا سيرتها وتبغددنا، دلالاً بها ولها.
والتراجع في أجناس الثقافة تشمل كل الحياة الثقافية ولا استثناء، فالمسرح قد تراجع بعد أن كان في طليعة المسارح العربية، والمهرجانات والملتقيات الأدبية والشعرية قد رحلت ولم تعد بغداد تذكر، وإذا كان العالم حاصرها في فترة ما، فإن حصارها كان قبل قرن وما زال، وكأنها مارد خرافي لا بد من عزله.
قرأت مؤخراً تقريراً صحافياً عن حال دور السينما في بغداد، واستغربت ما وصل إليه الحال من إهمال ورداءة، وتراجع في العدد وتوقف صيانة المتبقي، إضافة إلى طبيعة المشاهد الذي ما عاد يهمه النوع، ولم يبق من جمهور السينما إلا شرذمة صغيرة.
كان في بغداد وحدها حوالي خمسين دار سينما، تقلص خلال الحرب العراقية الإيرانية إلى أربعين دار سينما، أما الرقم الحالي فلا يصدق إذ تذكر هذه التقارير أنه لم يبق في بغداد سوى ثماني دور عرض سيئة.
كانت دور السينما تعرض أفضل الأفلام العربية والأجنبية، كان عهداً مزدهراً للسينما، ولأسواقها، وكانت السوق العراقية مهمة جداً في استقطاب أجود الأفلام.
كانت صناعة السينما قد ازدهرت بجهود العديد من الفنانين الذين أصبحوا رواداً لفن السينما، أما على مستوى المشاهدة فقد كانت الحياة العراقية غنية بكل شيء، كانت أهم الشركات العالمية تتسابق في عرض أفلامها في بغداد، والمحافظات أمثال، سيارتكوس، الرداء، بكنك، هورشيما حبيبتي، الأم الهندية، ماسح الأحذية، الطيور، أفلام شابلن، ونورمان ويزدوم، إضافة إلى أفلام لوريل وهاردي، وأفلام الكاوبوي الأميركية، وكان العراقيون يتابعون بشغف عمالقة الدراما في العالم، أمثال وليم هولدن، أودري هيبورن، صوفيا لورين، مارلين مونرو، كيرك دوكلاس، كلارك كيبل، جيمس دين. وعشرات غيرهم.
كانت صالات العرض تقسم إلى شكلين هندسيين، دور سينما مغلقة ومكيفة صيفاً وشتاءً، ودور مفتوحة معدة لأيام الصيف، حيث يعتدل الطقس مساءً فيفضل العراقيون الدور المفتوحة ليتمتعوا ببرودة الطقس ونسائمه العليلة.
أما جمهور السينما فقد شكل قاعدة أساسية، وانقسم إلى جمهور يحب الأفلام الأجنبية كما عرف البعض بمتابعة الأفلام العربية خاصة تلك التي تميزت والتي شكلت عيون السينما العربية وكذلك تلك التي عرفت باستعراضاتها كأفلام فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ وغيرهما..
وقد نشطت على ضوء ذلك السينما العراقية، وكانت هناك أفلام مشتركة عراقية مصرية منذ الأربعينات والخمسينات ومازلنا نذكر مشاركات حضيري أبو عزيز في تلك الأفلام في فلم عليا وعصام وغير ذلك من أفلام مشتركة.
