احتفل العالم في الثالث والعشرين من أبريل بيوم الكتاب العالمي، وقد اختارت اليونسكو هذا اليوم نسبة إلى مصادفته ذكرى ميلاد عدد كبير من أدباء العالم، ومفكريه الذين أغنوا الحياة، وطرزوها بإبداعاتهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه المناسبة:
هل انتهى دور الكتاب؟! أو هل سينتهي يوماً ما؟!
ولعلي أجيب بلا تردد بالنفي القاطع، فالكتاب هو الوسيلة الوحيدة التي حفظت للبشرية فكر السلف وإبداعاتهم، وقد عاش الكتاب آلاف السنين، منذ الكتاب الأول في الألف الرابعة تقريباً قبل الميلاد، أي مع ظهور أول نص مكتوب باللغة المسمارية في حضارة وادي الرافدين، واستمر الكتاب حتى اليوم، مرت صناعة الكتاب بمراحل تطور نوعي حتى وصلنا إلى هذه التقنية الجيدة والأنيقة للكتاب المعاصر، لقد جرب الإنسان الكتابة على رقائق الطين ثم الخشب، وأوراق الأشجار، وجريد النخيل، والجلود إلى أن اخترع الورق، واخترعت آلة الطباعة وتحولت الطباعة إلى صناعة، في خدمة الفكر والإبداع الإنساني.
ارتبط الكتاب منذ مئات السنين بالوجه الحضاري للبشرية وعانى من كونه هدفاً للتدمير أمام كل غازٍ همجي أراد أن يقوّض أركان الحضارات، ولعل قصة هولاكو مع الكتاب ليست غائبة عن أذهاننا، بعد أن انتهى من البطش بأهالي بغداد انتقل إلى مكتباتها فأغرق الكتب في دجلة، حتى يقال أن ماء دجلة الذي يميل للاحمرار تحول إلى اللون الأسود، وقد تكررت الحكاية قبل سنوات يوم سقطت بغداد عام 2003، واستهدفت مكتباتها، وعيون الكتب التي كانت فيها، وكأن الهمجي هو نفسه وأن كان بين هولاكو وبليمر حوالي ألف عام.
سؤال آخر يطرح نفسه أيضاً:
هل الكمبيوتر والانترنت بديلان للكتاب؟!
أقول مرة أخرى وبإيجاز شديد، لا، فالانترنت يمكن أن يزودني بمعلومات سريعة، قد يرشدني إلى ما أريد من كتب أو دراسات، أو مصادر بحثية، لكنه مهما بلغ تطوره التقني لن يصبح بديلاً للكتاب، لأن التأسيس الثقافي ما زال وسيبقى مع الكتاب، أما المعلومات السريعة، وأحياناً السطحية فترتبط مع هذه التقنيات الجديدة، ثم ان علاقة نفسية وجدلية تربط ما بين القارئ والكتاب، لعلي من جيل لا يمكن أن يرضى بغير الكتاب، ويرفض كل البدائل مهما بلغت درجة تقنياتها أو مغرياتها، نعم أنا بحاجة إلى الانترنت، بتوفير بعض المعلومات أو بتوفير بيانات، ولكن بالضرورة أنا بحاجة أكبر للكتاب لأنه يمتلك الفكر أو الإطلاع على رواية.
الكتاب للقراءة، والنت للمطالعة السريعة التي تعتمد الصورة أكثر من الحرف، الكتاب عندي ارتباط، وانتماء، أحب رائحة الورق، لون الورق، بياض الورق، ملمس الورق، هو عندي، مثل الحبيبة حينما أتعرف على كل ملليمتر من جسدها، وأعيش في أعماقها روحاً، واندماجاً، ولعل الكتاب بديل للحبيبة.. هو العشق الذي لا ينتهي.
