لم يعد المثل الشعبي «الضحك بلا سبب قلة أدب» مقبولاً لدى الكثير من ممثلي الكوميديا المعاصرين، لأنهم يقدمون كوميديا فارغة، إلا من الضحك، وقلة الأدب.
أنا لست ضد الضحك في الدراما، فالضحك إلى جانب كونه فلسفة حياتية، وأسلوب سخرية، فهو أيضاً علاج نفسي يحتاجه الإنسان مثلما يحتاج الهواء والماء، فالحياة بكل ما فيها من ضغوط تحتاج بالضرورة للتنفيس عنها من خلال الضحك.
شهد القرن الماضي عمالقة في الكوميديا وتباروا في تقديم فلسفات مختلفة للضحك كل حسب ما تمليه عليه ثقافته، وفنه وفكره، حتى أن العديد منهم حفر اسمه في ذاكرة البشرية، وعرفته كل شعوب العالم أمثال فيلسوف السينما الأميركية شارلي شابلن الذي بدأ مع السينما الصامتة ثم سجل ريادته مع الناطقة، وشابلن فيلسوف بحق وأقلامه قنابل سياسية واجتماعية فجرها في وجوه كل أولئك الذين عملوا ضد الإنسانية، وشابلن على الرغم من عمق أفلامه والفلسفة التي آمن بها إلا أنه يمتلك موهبة صنع الضحك لا يجاريه بها أحد.
في السينما الإنجليزية تذكر نورمان وزدم، الذي سخر من المظاهر التي أبرزتها حياة المجتمعات الرأسمالية، والأوربية تحديداً، وكان علامة في سينما القرن العشرين، وهذا الآخر لم يخرج أبداً من بناء فلسفة للضحك خاصة بمنهجه الذي امتاز به، وهنا لا بد أن نذكر أيضاً الثنائي لوريل وهاردي، اللذين اشتهرا بمواقفهما الثنائية التي صنعت ضحكاً من نوع آخر.
وقد انتقلت عدوى الكوميديا إلى الرسوم المتحركة التي شهدت في القرن العشرين عصرها الذهبي وشخصيات متميزة، أمثال الكابتن بباي، وعلاقته بالسبانخ، وميكي ماوس، الذي لا ينسى.
ولم يقتصر الأمر على السينما الأجنبية التي لو أردنا أن نسجل كل مشاهير الكوميديا لخرجنا بسلسلة طويلة لا تنتهي، بل تعدى الأمر إلى مشاهير مثلوا شعوبهم، فعلى المستوى العربي مثلاً، عرفنا عمالقة القرن وفلاسفة صنعوا الضحك الذي لازمنا حتى ونحن في أوائل القرن الحادي والعشرين، وكانوا عمالقة بحق، لا يختلفون عن أولئك النجوم الذين أشرنا لهم مسبقاً، ولعلنا هنا نذكر نجيب الريحاني فيلسوف الضحك، وعلي الكسار، وإسماعيل يس الذي لم يعرف الناس أهميته إلا بعد رحيله وإعادة أفلامه مجدداً، وعبد المنعم مدبولي.
وكان أستاذاً مؤسساً ومربياً لأجيال عديدة من الفنانين إضافة إلى موقعه العملاق في الكوميديا الساخرة، وفؤاد المهندس، مع شويكار، على أن العملقة النسائية تحددت مع ماري منيب التي احتلت الشاشة والمسرح معاً عبر أكثر من نصف قرن، وحتى لا نظلم الآخرين نشير إلى أننا ذكرنا رموزاً فقط غير أن الواقع يخرج من حدود زاوية محدودة في مساحاتها، إلا أننا فعلاً افتقدنا لفلسفة ساعدتنا على تحمل مآسي الحياة وصعوباتها وأشعرتنا بالسعادة مع كل ما كنا نحسه من نقد لاذع لهذه الحياة.
