أخالف الكثيرين باعتبار القدس عاصمة للثقافة لعام 2009، هذا لا يعني أنني ضد التسمية، بل لأنني أؤمن أن القدس عاصمة أبدية للثقافة العربية، فهي جزء من تكويننا الثقافي بجذورها الممتدة مئات السنين، ومرتبطة بعقولنا، وفكرنا، وعواطفنا، وهي جزء من معتقداتنا المقدسة التي لا تقبل الجدل أو المماطلة، والصراع مع الصهاينة اليهود ليس جديداً، انما يمتد إلى حوالي الألف الثانية قبل الميلاد، وكانت وما زالت هدفاً للطامعين في احتلالها عبر تلك الآلاف من السنين، ولقد وقف الفلسطينيون دروعاً للدفاع عن القدس، ولم يعجزوا حتى بعد القرن العشرين بعد ميلاد السيد المسيح، أي أن الصراع مع الطامعين بأشكالهم وأهدافهم وجنسياتهم المختلفة امتد حوالي ثلاثة آلاف عام، وهذا قدر المقدسيين.

حينما انتشر الإسلام في بلاد الشام، كانت أولى اهتمامات الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أجراء الصيانة والترميم للقدس عام 15 للهجرة، ثم جاء الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك بن مروان وأنشأ المسجد المسقوف في جنوب المسجد الأقصى عام 90 ـ 96 هـ ثم جدد العباسيون المسجد المسقوف في عهد خلافة أبو جعفر المنصور إلا أن هزة أرضية دمرته عام 425ه.

والمسجد الأقصى ثاني الحرمين الشريفين، وأولى القبلتين الذي حفظه الله سبحانه وتعالى بالهدى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير».

أن قدسية المسجد لا جدال حولها وقد خصها سبحانه وتعالى في ذكرها بالقرآن الكريم، ومنح رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) شرف الإسراء إليه.

الباحثون يؤكدون أن أول من سكن القدس سلالة من قبائل يمنية هاجرت إلى شمال الجزيرة العربية، ومن هذه السلالة جماعة من يبوس (منطقة شنوءة ـ بلاد الأزد) وسكنت في موقع المسجد الأقصى، وسموا المنطقة (يبوس) تيمناً واعتزازاً بالمكان الذي كانوا فيه. وأبناء القبيلة ظلت في القدس حتى اليوم، أي بعد مرور حوالي خمسة آلاف سنة كما يؤكد المؤرخون.

إن القدس ليست بناء مدينة فحسب، ولا المسجد الأقصى بناءً متميزاً بقبة رصاصية ولا هو بالقبة الذهبية المعروفة بقبة الصخرة المشرفة، بل أنها ضمير كل عربي وأن تعددت دياناته أو معتقداته، هي تاريخ أمة، ومركز حضارة تجاوزت البعد المادي، إلى الروحي، المصيري الذي لا يمكن التراجع عن خطوطه الحمراء، هي أشعاع ظل ينير الكون آلاف السنين فكيف يمكن أن تختصر تلك السنين المدارية في عام معدود بأيامه. لذا فإنني أدعوكم جميعاً لاعتبار القدس عاصمة الثقافة العربية الأبدية، وهذا أقل ما يمكن أن نمنحه لها وصدور أبنائها تواجه رصاص الطغاة والطامعين.

abdulelah_q@hotmail.com