ليس الموت إشكالية، بقدر ما هو حقيقة لا بد منها، غير أننا لا نتصور أننا سنرحل، كما أننا لا نعرف متى، وكيف، وأين؟ كلها أسئلة ليست جديدة على البشرية، فمنذ أن خلق الإنسان، وبدأ يعي الحياة، بدأت معه أسئلة الوجود والحياة والخليقة، والحياة الأخرى، لكنه استطاع أن يجد آلاف الأجوبة، لآلاف الأسئلة التي حيرته، إلا أن الإنسان لم ولن يجد إجابة لجدلية الموت والحياة، هذه الجدلية المرتبطة بوجود الإنسان، بل وكل الكائنات الحية على الأرض.

بين الحين والآخر، نفقد عزيزاً، صديقاً، أو أخاً، ومع العجلة اليومية التي تسحقنا ننساه، أو ننسى الموت، والغياب ورهبة اللحظة التي يفارقنا بها، ونعود مرة أخرى نسابق عجلة الزمن التي تتغلب علينا بالضرورة والحتمية.

قبل أسابيع غادرنا قاسم محمد، وقبل أن نودع أحزاننا ونقطع حبل ذكرياتنا معه، ودعنا مبدع مسرحي آخر، سالم الحتاوي (وكأنهما على موعد)، الكاتب الموهوب، والإنسان، فنان يعد بعطاء مستقبلي أكثر مما أعطاه للمسرح في الإمارات وهو ليس بقليل.

كلنا نموت.. إيماننا بالله وبرسوله يحتم علينا أن نسلم بالموت، لكن في حالة سالم الحتاوي، موت تراجيدي، تماماً وكأنه يكتب نهاية لمسرحية خطط لها، هو حالة إبداع، ظهر فجأة نجماً ساطعاً في عالم الكتابة المسرحية السحرية، ورحل فجأة دون مقدمات، أو استئذان من الذين أعجبوا بكتاباته، وأحبوه صديقاً وأخاً مبدعاً، كنا نفاخر به وبنتاجه الأدبي ـ الفني ـ وبه كإنسان دمث الأخلاق، حلو المعشر، وكان يعادل ما بين سيرته الأدبية ـ الفنية، وسيرته الأخلاقية.

لا أحب أن أرثي أصدقائي، لأن رثاءهم رثاء للنفس، ولأني أؤمن أن المبدع يرحل جسداً فقط، ويبقى فكراً وفناً وتأثراً، بعض الفلاسفة يقولون أن رحيل الإنسان، هو رحيل مادي وروحي، هو انتقال الجسد من مكان إلى مكان آخر، لا ندري حتى الآن أي المكانين أوسع وأرحب وأجمل، غير أن الدين يبشر المؤمنين بحياة الآخرة، الأبقى، وأن الحياة ما هي إلا أيام فانية.

موت قاسم محمد هو الآخر تراجيديا من نوع آخر، غير أنه حاول أن يرسم أملاً وأن كان يدرك أن لا أمل مع ما كان يعانيه من مرض خبيث. غير أن سالم الحتاوي، استعجل الرحيل، هو في عنفوان الشباب، وفي قمة العطاء، هو مشروع كتابة إبداعية لم تنجز بالكامل، كنا ننتظر أن نقرأ ونشاهد جديده المسرحي، لكنه فاجأنا بالرحيل، لم يمهد لنا، لم نشعر بأنه استعد لأن يقول لنا إلى لقاء..

هكذا هي الزهور الجميلة، لا تعيش طويلاً، زهرة الياسمين عمرها قصير، ورائحتها تنفذ إلى بويصلات رئتنا، الحتاوي مثل دخون المسك والعنبر، يحترق رماداً، ويعطر يومنا وحياتنا، وكل فضاء نعيش به، وداعاً يا صديقي أيها العنبر الجميل.. وإلى لقاء لا مفر منه.

abdulelah_q@hotmail.com