لا يهمني فوز أوباما، ولا أقرأ التكهنات فيما سيفعله هذا الرئيس الأمريكي الجديد، ومن خلال منظور عشته مع تبديل الكثير منهم الذين استأجروا البيت الأبيض، فلم يغير أحد منهم إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي.
بل ولم يغير أكثرهم شجاعة لون الخطوط الحمراء أو مسارها أو تغيير الموقف الأمريكي من الكيان الصهيوني، هذه مسألة أخرى، أما أنا فلا أنظر إلى أوباما إلا كانسان ملون استطاع أن يجتاز كل حواجز العنصرية البيضاء في بلد شكل الصراع العنصري فيه تاريخاً دموياً، وضحايا لا يحصى عددهم منذ أن جاء العنصر الأبيض ليستحوذ على خيرات وكنوز القارة الجديدة أو العالم الجديد كما كان يسمى.
تؤسرني شخصية غاندي بهدوئه وحكمته وصبره وتضحياته، وفلسفته، نعم، استطاع الإرهاب الأسود أن يقضي على الجسد الهزيل الناحل، ولكن القاتل نسى أن غاندي زرع الأمل في نفوس الملايين من البشر على مستوى الكرة الأرضية، وأنه تحول من جسد لا بد أن يرحل ذات يوم إلى رمز ستظل الشعوب تنظر إليه وتتعلم منه كلما اشتد الظلام حولها.
أما ما نديلا.. القائد الفيلسوف، شاب في عقده التاسع الذي يتلبسه الحب فينثره بين قومه في جنوب أفريقيا وخارج هذه القارة السوداء، فهو حكاية أخرى قد تبدو أسطورية لو صورناها وكتبناها بأساليب الملاحم والأساطير، هذا الرجل الهادئ الذي قاوم الكراهية بالحب، والعنصرية بالانفتاح والتسامح، السجين ما نديلا القائد لثورة الملايين، الذي استطاع أن يرحل أفكاره وعقله خارج قضبان السجن لينتصر، وليقول للطغاة إن السجون مهما غلظ حديدها وعلت أبوابها، فإنها لن تكون حائلاً أمام إرادة الإنسان، الذي يستطيع أن يحقق إرادته، لأن الفكر أكبر من الجسد، والفكر لا يمكن لسجون الدنيا مجتمعة أن تغيره، وإلا ما كنا قرأنا ابن رشد، ولا فلسفته، ولا تغنينا بعبد الله بن محمد ثائراً وقائداً وزعيماً، ضد العنصرية وضد العبودية حالماً بالانعتاق والحرية.
من هنا أنظر إلى أوباما.. الملون.. الذي انتصر على كل طغاة العنصرية، ولينتصر للملايين الذين وهبوا حياتهم وروت دماءهم أرض أمريكا من المسيسبي حتى ناغاراغوا.. أوباما ينتصر على تاريخ أمريكا الملطخ بالاضطهاد، والقتل والعبودية، والحقد، تاريخ لم يرد فيه خيط حضارة ولا بناء، ولا احترام للإنسان، أمريكا سوداء في تاريخها.
وأوباما يحاول أن يمنحها بعضاً من نور وأمل بمستقبل خال من الحقد، ومساواة للبشر كبشر، يحق لكل إنسان مهما كان لونه ودينه أو جنسه، أو أيدلوجيته أن يعيش جنباً إلى جنب مع أخيه الإنسان، فالله محبة، والنور محبة، وديننا يقول حب لأخيك كما تحب لنفسك.
طوبا لغاندي، ومانديلا.. وأرجو ألا يخيب أوباما الآمال.
