ما إن وقع بصره على حقيبته، حتى جرى والتقطها وفتحها بأنفاس لاهثة. وحينما تأكد من أن كل أشيائه موجودة، تهلل وجهه ورفع يديه إلى السماء شاكراً ربه على نعمته وحياته.

العدو الخارجي

روى لي القارئ مورالي حكاية هندية، وهي عن فتاة قررت صعود الجبل لزيارة جدتها. وفي الطريق أمطرت السماء وأرعدت بعدد الثواني وعصفت بزمهرير قارس. وما إن كادت تصل إلى وجهتها، حتى شعرت بشيء يلامس قدمها. وحينما نظرت إلى الأسفل رأت ثعبانا قال لها:

ـ أكاد أموت من البرد ولا طعام هنا في الجبل. أرجوك أن تحميني، ضعيني تحت معطفك، أنقذي حياتي وسأكون أفضل صديق لك.

وعلى الرغم من العاصفة، توقفت الفتاة لتفكر بما قاله. نظرت إلى جلد الثعبان الأخضر والذهبي وقالت لنفسها أنها لم تر شيئا أجمل منه. وفكرت كيف ستحسدها صديقاتها في المدرسة حينما ستأتي برفقة ثعبان سيدافع عنها في كل شيء. وأخيرا قالت له:

ـ حسنا، سأنقذك لأن جميع الأحياء يستحقون الاهتمام والرعاية.

وهكذا أصبح الثعبان صديق الفتاة في السراء والضراء، ولم يكن يتردد في إخافة الناس الذي يحاولون إزعاجها في المدرسة. ولكن في إحدى الليالي أحست وهي تكتب واجبها المدرسي بألم حاد في قدمها اليمنى. وحينما نظرت إلى الأسفل، أدركت أن الثعبان لدغها، فصرخت قائلة:

ـ أنت سام! سأموت

بقي الثعبان صامتا.

ـ كيف تفعل هذا بي؟ وأنا التي أنقذتك.

فأجابها وهو ينسحب بعيدا عنها:

ـ في ذاك اليوم حينما حملتني وأنقذتني، كنت تعلمين أني ثعبان، أليس كذلك؟

العدو الداخلي

لفتت انتباه نصر الدين خلال سيره، ملامح رجل مسافر جالس على قارعة الطريق تنم عن الوحشة والوحدة، فسأله:

ـ ما بك؟ ما الذي يزعجك؟

فأجابه الرجل:

ـ لا شيء سوى أنه لا يوجد في حياتي ما يثير الاهتمام يا أخي. لدي ما يكفي من المال ليغنيني عن العمل، وسافرت ورأيت كل ما هو غريب وعجيب في العالم. ولم يكن لدى أي من الأشخاص الذين التقيتهم جديد يقوله لي، بل أن وجودهم أصابني بالمزيد من الملل. باختصار، يمكنني القول دون خوف أو شك إنني على الرغم من كل ما فعلت، لم أستطع العثور على السكينة التي بحثت عنها، وبت أسوأ عدو لنفسي.

في تلك اللحظة أمسك نصر الدين بحقيبة الرجل وركض بها مسرعا إلى أسفل الطريق. ونظرا لمعرفته الجيدة بشوارع البلدة وبراريها، سلك العديد من الطرق المختصرة بين التلال والحقول لترك مسافة كافية بينه وبين الرجل. خرج بعدها من أحد الأزقة ووضع الحقيبة في منتصف الطريق الذي كان على المسافر أن يسلكه، ثم اختبأ خلف صخرة. وبعد مضي نصف ساعة ظهر الرجل وهو أكثر بؤسا من السابق بسبب السرقة التي تعرض لها.

وما إن وقع بصره على حقيبته، حتى جرى والتقطها وفتحها بأنفاس لاهثة. وحينما تأكد أن كل أشيائه موجودة، تهلل وجهه ورفع يديه إلى السماء شاكرا ربه على نعمته وحياته.

ابتسم نصر الدين وهو يتأمل المشهد أمامه وقال لنفسه:

ـ بعض الناس لا يدركون طعم السعادة حتى يفقدونها.