منذ 85 عاماً رحل سيد درويش عن الدنيا، وما زالت ألحانه حية بيننا كأنها ولدت أمس، وإذا كانت ولادته في الإسكندرية، فإنه بعد قرن من رحيله لم يعد مصرياً أو عربياً، بل أكد أنه فنان البشرية.
وعلى الرغم من أن العمر الفني لسيد درويش لم يتجاوز 7 سنوات تقريباً، إلا أن ما أنجزه في الموسيقى العربية قد تجاوز كل التقديرات، فإلى جانب الإنجازات التي حققها، فإنه لا يقارن بفناني جيله، ولا بالأجيال التي تلت، فقد قدم التنوع الموسيقي ما جعلنا نكتشف كل يوم جديداً في ألحانه ونستمتع بها، ودرويش كتب عشرة أدوار يقول أصحاب الاختصاص انها أهم الأدوار في الموسيقى العربية، وكتب أيضاً ألحان ثلاثين مسرحية غنائية، مثلتها فرق (جورج أبيض، ونجيب الريحاني، وعلي الكسار، ومنيرة المهدية، وأبناء عكاشة)، ثم كتب أهم المسرحيات في تاريخ المسرح الغنائي العربي «العشرة الطيبة»، وغنى له أشهر مطربي ومطربات عصره، وهو أول موسيقي عربي فصل الموسيقى العربية عن التركية، وأبرز ملامحها، ومن إنجازاته أيضاً أنه ابتكر الانفعال الدرامي في الغناء العربي.
سيد درويش ابن النجار درويش البحر الإسكندراني المولود فيها عام 1892، والذي غادر الحياة فيها أيضاً عام 1923 وقد عاد إليها من القاهرة ليستقبل بطل ثورة 1919 سعد زغلول وليقدم له النشيد الذي خلد درويش ومصر والذي يردده كل العرب (بلادي بلادي...).
لم يستطع سيد درويش أن يكمل دراسته، فقد تعلم عند كتاب حسن حلاوة، ثم مدرسة سامي أفندي، وهو الذي عمل في مقاهي الإسكندرية ليكسب قوت يومه حتى اكتشفه الشيخ سلامة حجازي، وقدمه على أنه عبقري المستقبل، وقد صدقت نبوءته، وكان قد بدأ حياته قارئاً للقرآن الكريم ومنشداً ومؤذناً، ثم خلع الجبة والعمة وأصبح أهم وأشهر موسيقار عرفته الأمة العربية في القرن العشرين.
عشرات من الملحنين العرب عاشوا على ألحان سيد درويش واشتهروا دون أن يعرف الناس أنها من نتاج درويش أمثال (زوروني كل سنة مرة، الحلوة دي قامت تعجن في البدرية سالمة يا سلامة، طلعت يا محلا نورها)..... عشرات الأغاني التي نرددها ولا ندرك أنها للعبقري سيد درويش.
درويش قرب الجملة الموسيقية إلى ذهن المستمع دون أن يذل موسيقاه أو يسطحها، لقد جعل الأغاني الشعبية تركز على الحكايات الشعبية والمثل الشعبي والأحداث اليومية، لحن الأغنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأغاني العمل، وجعلها انعكاساً للحياة اليومية، بل نقل معاناة الإنسان الفقير، من الأحياء الفقيرة في الإسكندرية والقاهرة ليجعل منها أغانيَ خالدة لم تنسها الأذن البشرية.
116 سنة مرت على ولادته وما زالت أغانيه حية، بل ما زلنا نستغرب ونحن نقارن بين مستوى ما قدمه هذا العبقري وما يقدمه بعض مرتزقة الموسيقى اليوم، نقارن بن الانتقالة الإيجابية التي حققتها عبقريته وبين الهبوط والسطحية والإحباط التي تسببها معظم أغاني اليوم.
