على الرغم من أن هذا المقال نشر في مختلف دول العالم، إلا أنني أود أن أهديه إلى ناشر بالتحديد وهو ماريو مورا البرتغالي، الذي اضطر إلى مغادرة بلده عام 1940 لعدم تمكنه من إيجاد أي عمل، لأن مشاركته في مظاهرة الطلبة ضد الدكتاتور سالازار (عام 1937) أغلقت في وجهه جميع الأبواب، لا سيما وأن تخصصه التقني غير مطلوب سوى في الدوائر الحكومية.

هاجر إلى فنزويلا وكندا، ووصل إلى البرازيل عام 1953. ولتحسين دخله تعاون مع مؤسسة غيتوليو فارغاس كمترجم بالإضافة إلى عمله الرئيسي. قاده هذا العمل إلى النشر وعمل في دارين صغيرتين ، ليفتح لاحقا شركته الخاصة.

والعمل في النشر ليس بأمر سهل فهناك الكثير من الصعوبات (على الرغم من أنه استطاع طباعة ألفي عنوان)، لذا لم يتردد حينما دعاه صديق للعمل معه في وكالة سفريات، وهكذا عاد إلى البرتغال عام 1988.

لكن حب النشر كان يجري في دمه، وعليه أسس عام 1990 دار نشر باسم بيرغامينهو، وأدارها كنشاط إضافي لأن توزيع الكتب كان محدودا جدا لدرجة أنه بدا مستحيلا الاشتراك في مشاريع نشر ضخمة، إذ لم يكن يبيع حينها ما يزيد عن ثلاثة آلاف نسخة في العام. وهو الناشر الذي قدم لي أول عقد لنشر كتابي، وكان قبولي له حينها أول وأكبر مغامرة لي خارج البرازيل.

وفي عام 1994 واجه ماريو مشاكل حقيقية مع شريكه في وكالة السفريات، وتم فسخ عقد الشراكة. كرس ماريو نفسه بعدها لدار النشر، على الرغم من أنه كان في السبعين من عمره، واستمرت المشاكل نفسها في التوزيع والبيع.

وفي تلك المرحلة بالتحديد ظهر ملاك في حياة ماريو: كانت إيون فرانكا البرازيلية، التي قررت أن تعيش في لشبونة. (وعلى ما أذكر أنه كان لدى ماريو دائم الشكوى من السوق البرتغالي، ثلاثة أو أربعة موظفين). سألته إيون إن كانت هناك من وسيلة أخرى لبيع الكتب إلى جانب قنوات التوزيع الأساسية، فأجابها ماريو بكلمة لا. إلا أن إيون التي كانت تذهب باستمرار إلى مكتب البريد، أصرت على فكرة وضع واجهة عرض للكتب فيه.

فقال لها ماريو: مكاتب البريد لا تبيع الكتب.

فردت عليه بقولها: هل حاولت؟

منحها ماريو مطلق الصلاحيات، واستطاعت إيون أن تقنع مكتب البريد البرتغالي بتخصيص مساحة صغيرة للكتب. ولتحقيق ذلك تم استثمار مبلغ ضخم من المال في صنع واجهات عرض معدنية متينة وأنيقة.

وفي أحد الأيام أوقفت إيون سيارتها في محطة وقود، وسألت ماريو:

- هل تبيع محطات الوقود كتبا؟

لا، فهذا الأمر يتطلب جهود توزيع كبيرة.

في هذه الحال نشتري سيارات ونوزع الكتب بأنفسنا.

أنفق ماريو المزيد من المال على الأرفف وأكثر على شراء سيارتين. وهكذا كان على شفا هاوية، إما إفلاس كامل أو ثورة في النشر. الفكرة بسيطة ومعقدة في الوقت نفسه: بما أن الناس لا تذهب عادة إلى المكتبات، فلم لا نحاول الذهاب إلى أماكن وجودهم؟ وفي السنوات التالية، كانت كتب بيرغامينهو متوفرة في محلات العطور والمطاعم على طرق السفر ونوادي الرياضة والفيديو.

تبيع دار ماريو اليوم ما يقارب من مليون وألفي كتاب في السنة. ولمواكبة الطلب المتزايد، اشترى دور نشر أخرى، مع الحفاظ على الجودة في الطباعة، وهو على الدوام يتقدم زمنه بخطوة، فسيارات التوزيع مجهزة بأحدث برامج الكومبيوتر ليتمكن الموزعون من تأمين الكتب المطلوبة في اليوم ذاته.

ما هو الشيء المميز في هذه القصة؟ عندما التقيته لأول مرة عام 1990، كان ماريو مورا في الثانية والسبعين من عمره، واليوم.. (سأدع للقاريء حساب عمره) يعيش ماريو حياته الشخصية كأسطورة في حين كان العديد من أصدقائه قد تقاعدوا ووصلوا إلى مرحلة من حياتهم ليس فيها سوى التذمر الدائم من كل شيء. قبل ماريو أن يستثمر في أفكار إيون المجنونة في وقت كان العديد من الناشرين يشتكون من ندرة القراء.

ماريو يؤمن بالإنسان، وهنا جوهر القصة، وهو مثال يؤكد لنا فيه قدرة الإنسان على تحقيق أحلامه في أي عمر كان.

www.paulocoelhoblog.com