منذ أكثر من عقد من الزمن، والمسرح العربي عموماً في انزياح عن مواقفه الأساسية، وتراجع واضح في مستواه الأدبي، والفني، وأثره الجماهيري، ولا نريد هنا أن نعدد أسباب هذه الظاهرة التي تشكل منعطفاً خطيراً في جنس إبداعي مهم جداً سواء كان على المستوى الأدبي أو الفني، فهما في سفينة واحدة على وشك الغرق، رغم محاولات انتشالها المتكررة هنا وهناك.
والشعوب المتحضرة تعمل بشكل مثابر على حماية ذاكرة المكان عندما تجد أن لهذه الأمكنة أهمية واعتزازا بمن كان يشغلها أو بناها، ولست بحاجة إلى أمثلة لتؤكد ما ذهبت إليه. إلا أن الوطن العربي وبعض دول العالم الثالث لا تهتم كثيراً بالحفاظ على هذه الأمكنة التي تشكل ذاكرة شعوبها ورموز تقدمها وحضارتها.
وإذا كانت بعض الأجناس الأدبية أو الفنية تتسارع في الحفاظ على هذا التقليد الحضاري، إلا أن الهدر بشكل عام يشكل النسبة الأكبر في هذه الاهتمامات، وإذا ما حاولنا أن نذكر أمثلة على ذلك فإننا سنضطر لتسويد عشرات الأوراق لتسطير أسماء هذه الأمكنة وأهميتها..
في بلد مثل العراق، تحولت المسارح وصالاتها الفخمة والجميلة إلى مقرات حزبية، مثل مسرح البهو في البصرة الذي يتسع لـ 1500 مشاهد، وصالة البلدية مقابل تمثال أسد بابل في وسط المدينة، الذي يقال إنه هو الآخر قد تعرض للتهشيم والإزالة، وهذان مثالان لمدينة واحدة لأني اعرف ما تعني هذه الأمكنة بالنسبة لجزء من المسرح العراقي. في بلدان أخرى لا نملك إحصائية وثيقة حتى نشير لها دون التعرض للمساءلة القانونية.
أما في مصر.. بلد الفن والمسرح والأدب والثقافة، فإن الإهمال البشري يساعد بين الحين والآخر على إزالة رموز كبيرة لا تعوض في تاريخ حضاري، ومع كل المبررات فإنما نشير إلى سوء التعامل، والتقهقر في الحفاظ على أمكنة تاريخية أصبحت جزءاً من ضمير الأمة.
فإذا كان الخديوي إسماعيل بنى بعض هذه الأماكن التي احترقت وأزيلت من أرض الواقع، فإن أجيالا جاءت من بعده لتتهاون أمام ذاكرة المكان وتتسبب بوعي أو إدراك أو غيرهما في كارثة احتراق لا تعوض بل جريمة في حق الفن لأمة بكاملها، كان آخر هذه الكوارث احتراق المسرح القومي يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر سبتمبر الماضي، والذي بناه الخديوي إسماعيل عام 1869م.
وقبله احترقت أول وأجمل أوبرا مصرية لم يستطع المصريون تعويضها، وإن تم بناء بديل لها. أنا لا أتحدث عن البديل بقدر ما أتحدث عن أهمية الأثر. فالمسرح القومي، وكان لي شرف أن أقدم على خشبته ورقة عن بعض رموز المسرح العربي، وشاهدت على خشبته بعض تلك الإبداعات المسرحية، يمثل ذاكرة المسرحيين العرب، فعلى خشبته تحققت عشرات بل مئات الإنجازات المسرحية المبدعة، ووقف على هذه الخشبة عمالقة مسرحنا، وبين كواليسه مئات القصص والحكايات والذكريات.
