أكبر مشكلة من جراء التسمم بالمرارة هي تلاشي مشاعر الشغف والحب والكراهية واليأس والحماس والفضول

في كتابي «فيرونيكا تقرر الموت» الذي تدور أحداثه في مستشفى للأمراض النفسية، يطور المدير نظرية عن مادة سامة غير ملموسة تصيب أعضاء الجسم بالضرر خلال سنوات، وأطلق على هذه المادة اسم «فيتريول».

ومثل الليبيدو أو الطاقة الانفعالية المستمدة من الدوافع البيولوجية للغريزة، والتي عرّفها الدكتور فرويد بسائل الرغبة، الذي لم يتمكن أي مختبر على الإطلاق من فصله، كذلك الأمر مع فيتريول الذي يرشح من أعضاء الإنسان حينما يكون في حالة خوف. ومعظم الناس المتعرضين له يتعرفون على طعمه الذي لا هو بحلو أو مالح ولكن مر. ولهذا السبب فإن الاكتئاب يرتبط بصورة جوهرية مع كلمة المرار أو المرارة.

وتوجد تلك المرارة في أعضاء جميع الكائنات، وبدرجات متفاوتة، الطريقة ذاتها التي توجد فيها عصيات السل عندنا بنسب مختلفة. وعلى كل حال فإن هذين الدائيّن لا يهاجمان المريض إلا حينما يكون واهنا. وفي حال وجود المرار في داخلنا، فإن عوارض هذا الداء تظهر حينما نكون خائفين مما يدعى «الواقع».

بعض الأشخاص ممن يشعرون بالتوتر أو القلق خلال بناء عالمهم الآمن الذي لا يمكن اختراقه، يزيدون بنسبة مضطردة دفاعاتهم إزاء العالم الخارجي، سواء من الغرباء أو الأماكن الجديدة أو من التجارب، مع ترك داخلهم بلا حماية مما يتيح للمرارة إحداث الأذى الذي لا يمكن علاجه.

والهدف الأكبر للمرارة (أو فيتريول، كما فضل أن يسميه الطبيب في الكتاب) هو الرغبة. والأشخاص الذين يصابون بهذا الشر يبدأون بفقدان رغبتهم في كل شيء، وبعد مضي سنوات قليلة يصعب عليهم مغادرة عالمهم، لأنهم استخدموا طاقة هائلة للحفاظ على جدران قلعتهم العالية ليكون الواقع لهم كما يريدونه.

وحينما يتفادون الهجوم الخارجي، فإنهم يحدون في الوقت ذاته من نموهم الداخلي. يستمرون في الذهاب إلى العمل، ومشاهدة التلفاز، والتذمر من الازدحام والأولاد، لكن كل هذا يحدث بصورة آلية ومن دون أن يفهموا لم هم يتصرفون بهذه الطريقة، وفي المحصلة كل شيء تحت السيطرة.

أكبر مشكلة من جراء التسمم بالمرارة، هي تلاشي مشاعر الشغف، والحب والكراهية واليأس والحماس والفضول. وبعد مضي زمن يتجرد ذوو المرارة من أية رغبة، ويفقدون بالتالي رغبتهم في الحياة أو الموت، وتلك هي المشكلة.

ولهذا السبب، فإن الأشخاص ذوي المرارة ينظرون إلى الأبطال والمجانين بإعجاب وذهول، فهم لا يخشون من العيش أو الموت. كلاهما لا يهابان الخطر وينفذان ما في بالهما على الرغم من اعتراض الجميع. الرجل المجنون ينتحر، والبطل يستشهد إيمانا بهدف نبيل والموت واحد. والناس المريرون يمضون ليالي وأياما عديدة يتحدثون عن لا جدوى انتصار النوعيتين. إنها اللحظة الوحيدة التي يحظى فيها الشخص المرير بالقوة ليصل إلى قمة جداره الدفاعي والنظر قليلا إلى الخارج، ولكن سرعان ما تتعب يداه وقدماه ويعود إلى حياته اليومية.

إن الشخص ذا المرارة المزمنة لا يلاحظ داءه سوى مرة في الأسبوع، بعد ظهر اليوم الثاني من الإجازة. إذ حينها لا يشغله عمل أو التزامات روتينية للتحرر من العوارض، ويدرك أن شيئا ما غير صحيح أبدا.

www.paulocoelhoblog.com