فاز الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للإنجاز الثقافي في دورتها الثانية عام 90-91، وكان حدثاً مهماً، ووساماً حققته الجائزة مبكراً، في سنواتها الأولى.

كان الجواهري في عقده التاسع، ولكنه كان يتمتع بصحة جيدة لا تخلو من انتكاسات، كانت الأمانة العامة قد أعدت له ليلة جماهيرية في النادي الأهلي بدبي، ليلتقي بجمهوره ويلقي قصائده، وكان كل شيء قد أعد لإنجاح واحدة من أكبر الواحات الشعرية.

وفي نفس عصر اليوم الذي حدد للأمسية الشعرية الجماهيرية، تعرض الجواهري لأزمة قلبية حادة، استنجدنا بالدكتور نوري الصكبان أخصائي القلب في المستشفى القاسمي بالشارقة، وتطوع معه أربعة أطباء متخصصين لإنقاذ سيد القصيدة العمودية في القرن العشرين.

تعاون الأطباء على إسعاف الجواهري، وظلوا يراقبون حالته إلى أن استقرت، ونام ولكنه كان لا يزال في حالة خطرة. الأمانة العامة للمؤسسة كجهة منظمة واجهت أزمة كبيرة وموقفا لا تحسد عليه في حينه، فالشاعر يرقد في فراشه ويعاني من أزمة قلبية قد لا ينجو منها، والناس ملأوا صالة النادي الأهلي الكبيرة والتي تتسع لعدة آلاف، وكل هذه الجماهير جاءت لترى وتستمع لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري.

لم نمتلك الجرأة على إعلان الموقف أمام هذا الحشد الكبير من الناس، ولم يكن لدينا بديل لقامة شعرية كقامة الجواهري. وكان الشاعر جعفر الجمري يقف بشجاعة على المنصة ليشغل الناس بحديث وأبيات مقتطفة من شعر الجواهري وغيره، في انتظار القرار الأخير.

فجأة رن هاتف النادي الأهلي، وسمعنا صوت د. كفاح الجواهري على الطرف الثاني، جميعنا وقف متخشباً خشية أن نسمع ما لا نرغب من سماعه، إلا أن د. كفاح قال مسرعاً لا تلغوا الحفل الجواهري وقف على قدميه وهو في الطريق إليكم.

مما يرويه د. كفاح أن الجواهري استيقظ فجأة في الوقت المحدد للندوة، واستغرب أن يكون حتى تلك الساعة في الفراش وطلب من ولده د. كفاح أن يعجل في إيصاله إلى النادي الأهلي. ورغم تردد ولده ورفض الأطباء الذين كانوا لا يزالون يراقبون حالته الصحية، أصر الجواهري حضور تلك الأمسية الخالدة.

وقف على المنصة بقامته الطويلة متحدياً الموت، وبدأ يشدو منتقلاً من قصيدة إلى أخرى دون الاستعانة بورقة أو بأية وسيلة أخرى، واستمر يشدو زهاء ساعتين من الزمن، كان سلاحه الشعر في تحدي الموت ورفض الخنوع للمرض، وبدأ الجواهري يتغزل بدجلة مع بداية الأمسية.

abdulelah_q@hotmail.com