في البدء لا بد أن نتعرف على شفيق جبري، وإن كان علماً من أعلام التنوير في الربع الأول من القرن الماضي.

عند تخوم نهاية القرن التاسع عشر 1890 ـ 1897، ولد هذا الشاعر، الأديب، الكاتب، في حي الشاغور في دمشق ورحل عام 1980 بعد أن شغل الدنيا.

ولادة استثنائية، في زمن استثنائي، وسنوات حاسمة ودقيقة شهدت حروباً كونية، وسقوط إمبراطوريات وظهور دول على الخارطة السياسية وكان جبري وسط الأحداث وليس على أطرافها، شاعراً دمشقياً مزهواً بياسمين الشام، حاملاً هم وأحلام جيل من الشباب اصطدمت كلها بالكثير من العوائق ولم تتحقق كل تلك الرؤى والأحلام.

قدر لي أن أبحث في أوراقه التي تركها مشاركاً في ملتقى واسع وهام عقدته دمشق في محاولة لتذكر العمالقة الذين أسسوا لنا دعامة إبداعية وفكرية، انطلقنا كجيل من ترسانتها لنحاول بعد ذلك الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه أمام هذا السيل الجارف لكل ما يلاقيه في طريقه.

شفيق جبري ليس شاعراً، أو أديباً، أو مفكراً، انه كل هؤلاء في شخص واحد تضاف له سمات أخرى من الحساسية المفرطة، والرومانسية الجميلة، ولعل أغرب ما يمكن أن أضيفه هو اعتصامه الطويل في منزله في بلودان، وحيداً إلا من كتاب، وقرطاس وقلم، بل وأغرب لا زوجة له ولا أنيس ولا جليس.

والغريب أن الباحثين لم يحاولوا سبر أغوار أسباب هذه الحالة عند شاعر وإنسان ومفكر، وتركوا عزوبيته دون تحليل، وخلال البحث في أوراقه وجدت العلة في اضطرار هذا الإنسان لكل هذه الحياة، والعلة هنا هي نفس العلة لدى كل العاشقين، المتيمين بالهوى العذري، هي المرأة ملاكاً وشيطاناً، عذاباً وامتلاكاً وشاطئ أمان، وقد تلمست ذلك مما وجدته من عشرات القصائد تشي بلوعة الحب، وعذاب الفراق، واللجوء إلى العفة والعذرية. أمام عشق صوفي عذري، للمرأة التي لم يسمها ولا نعرف من تكون، بل حاول الهروب إلى مناجاة الزيزفون تارة، والحمام تارة أخرى.

وإذا بكيت فليس من يبكي على دائي الدفين

وإذا بكت بكت الأزاهر بين أفياء الغصون

شتان ما قلبي وقلبك يا حمام الزيزفون

جبري رجل تنوير، وعلم من أعلام عصر النهضة، وأحد أهم المفكرين في النصف الأول من القرن الماضي، جدير بالدراسة، وإعادة قراءة منتوجه الشعري والفكري، على ضوء منظور معاصر وفق ظروف مجتمعه الذكوري القاسي في مطلع القرن الماضي.

abdulelah_q@hotmail.com.ae