نفاجأ بين الحين والآخر بنظريات تدعي قراءة المستقبل، وتضع له قوانين جديدة على ضوء المستجدات العلمية والتقنية والحياتية.

فعلى صعيد الأدب الروائي ثمة أصوات ألغت علاقة العربي بالشعر، وهللت لعصر الرواية بتحولاتها الجديدة كجنس أدبي مستقل، لكننا لم نتلمس على أرض الواقع الأدبي هذه التحولات الجدلية، وظل الشعر ملاصقاً للشخصية العربية بكل مستوياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، ربما لم يظهر في الساحة الأدبية شعراء عمالقة وأعلام كشعراء الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لكن بالضرورة هناك أصوات شعرية شبابية جيدة، وإذا لم تظهر قمم شعرية فهذه سمة العصر التي شملت كل الإبداع الأدبي والفني.

وفوجئت قبل فترة وأنا أقرأ لبعض كتاب أجانب إعلانهم لقرب انتهاء عصر الرواية، ولعل كتاب «رواية الأصول»، (لمارت روبير) خير مثال على ذلك إذ اعتبرت أن الرواية التقليدية قد انتهى عصرها وتخلت عن جنسها ودخلنا لمصطلح جديد سمته (الجنس اللا محدود) باعتبار أن الرواية الحديثة تجاوزت الارتباط بالسرد الروائي وبفن الرواية إلى الانفتاح على أجناس أخرى من الكتابة دخلت في جنس الرواية، وتميل مارت روبير إلى استباحة كل القواعد الفنية التي تبني عليها الرواية وحتى تلك الأساليب الحديثة التي تجاوزت الأسس المرجعية لكتابة الرواية، وفتحت كل الحدود الممكنة لتجاوز كل الواقع المكتوب ما عدا حرمان قربها من التحولات الشعرية.

وفي نفس الإطار أو ما نسميه بالمستقبليات فإن بعض المنظرين الأوروبيين قد توصلوا إلى قرب إلغاء عصر القراءة والكتابة أيضاً، وهذا ما نادى به كل من (دان سبيربر) و(ديير دربي ولسون)، من مركز CNRS في باريس في بعض محاضراتهما، والإعلان عن دخولنا إلى عصر المخزونات الشفاهية والسماعية عبر الأجهزة الإلكترونية الحديثة، وبالتالي فلربما نعود إلى ما كنا نسميه الحكواتي بشكل تقني حديث كما أخذت أنا أتصور تلك الاستشرافات والواقع أننا في حياتنا الواقعية نمارس السماع كثيراً خاصة في تجويد القرآن الكريم أو ترتيله.

وكثير منا يميل إلى سماع آيات الذكر الحكيم ونخشع لها... وبدأت أتصور أنا الآخر إذا ما تحقق هذا العصر الذي بالتأكيد لن نعيشه إنما يعيشه أبناؤنا وأحفادنا، كيف يمكن أن يكون عليه السماع، وكيف ستأتي مهنة جديدة في حكي الرواية، أو القصة أو إنشاد الشعر، وما علاقة التقنيات الصوتية والمرئية الحديثة، هل سيكون لدينا شعر (كليب) أو (رواية كليب) أو (قصة كليب) كما هو الحال مع أغاني (الفيديو كليب)؟

كل شي جائز.. وكل التكهنات واردة، وكل التصورات التي تبنى على هذه الاستشرافات التي يطلقها بعض الباحثين قد تحدث، وربما لا تتكامل لها الظروف المناسبة لظهورها، شأنها شأن العديد من التطلعات والأفكار والآمال والأحلام التي حلم بها البعض خلال مسيرة البشرية ولم يكتب لها النجاح، لكن العديد من الأحلام والتطلعات قد تحققت أيضاً.

abdulelah_q@hotmail.com