روايات خالدة

ناراياما

صورة

ما كان لرواية «ناراياما» للكاتب والسينمائي الياباني شيتشيرو فوكازاوا (1914 ـ 1987) أن تصيب كل هذه الشهرة لولا حصول فيلم مأخوذ عنها على جائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي عام 1983 وبتوقيع المخرج الكبير شوهي ايمامورا.

محور الرواية ليس عن طقوس ومعتقدات غريبة في بلاد الشمس الساطعة بقدر ما هو تعرية لقساوة الفقر والجهل والخوف من الأساطير لأن الأسطورة تحضر في الحياة اليابانية بشكل قوي مما يدفع المسنين إلى اختيار طريقة موت تناسب المكان الذي يعيشون فيه، لذلك تبدو ثقافة الانتحار في اليابان ثقافة عريقة وأصيلة وليست خرقا للقانون البشري مثل باقي المجتمعات.تتحدث رواية «ناراياما» عن حياة عائلة ريفية يابانية في قرية وسط جبال شينشو حيث تعيش (أورن) المرأة العجوز البالغة من العمر تسعة وستين عاما بعد موت زوجها منذ أكثر من عشرين عاما، والتي ترعى أحفادها الأربعة بعد موت زوجة ابنها الوحيد (تابي)، كان اكبر الأحفاد في السادسة عشرة من عمره وأصغرهم طفلة لم تبلغ بعد عامها الثالث ، توفيت أمهم أثناء جمع الكستناء من احد المنحدرات، فزلت قدمها وهوت الى الوادي السحيق.

ومن عادة تلك القرى أن تأتي أرملة من أية قرية مجاورة وبدون أية طقوس زواج الى البيت الذي تموت فيه الزوجة لتعيش معهم كأم للأطفال أو كزوجة للأرمل ، ومن عادة تلك المنطقة ان يذهب للحج كل من يصل الى سن السبعين.

وهذا كان حال (أورن) العجوز، حيث يتوجب عليها الصعود إلى ناراياما (جبل السنديان) وهو جبل مقدس وكل من يصعد قمته يصبح حاجا.

وقد جرى الاعتقاد أن من يذهب إلى جبل ناراياما وتتساقط الثلوج عليه فإن حظه سعيد.وقد رددت الأغاني وتناقلت الألسن حكاية رجل يدعى (توري سان) صاحب الحظ السعيد عندما تساقطت الثلوج لدى بلوغه ناراياما، ولكن إذا سقط الثلج قبل وصول الجبل يتعذر على الحاج اجتياز الوديان والمستنقعات وسيكون حظه سيئا.

كانت (اورن) تتمتع بأسنان جيدة رغم أعوامها الـ 69 فقد كانت تعتز بأسنانها أيام شبابها أما الآن فإنها تخجل منها لأنها توحي بإمكانها التهام كل شيء في وقت يعاني الجميع من ندرة الغذاء، فكانت تحاول تحطيم أسنانها بحجر لا سيما أنها تريد الحج إلى ناراياما ليكون مظهرها دالاً على تقدمها في العمر.

خلال استعدادات العجوز(أورن) لصعود الجبل تصل الكنّة الجديدة (تامايان) من القرية المقابلة وتستقبلها بسرور عظيم، فهذا يعني انها سوف تذهب للحج وبالها مطمئن على أحفادها برفقة هذه الكنة الجديدة فهي لطيفة جدا وتجيد أعمال المنزل والطهو وتجيد المديح وهذا ما جعل (أورن) تحبها وتعتبرها أفضل من الكنّة المتوفاة.

وعندها تقرر (أورن ) أنها لن تنتظر السنة الجديدة للذهاب إلى الحج بل عليها ان تفعل ذلك الان، فتدعو كل الذين ذهبوا إلى الجبل قبلها لتناول الغداء في بيتها للاستفادة من نصائحهم حول الأشياء الضرورية للذهاب إلى الجبل، هكذا يجتمع في بيتها سبعة رجال وامرأة، لم يبخلوا عليها بالنصائح والتعليمات والتوضيحات الضرورية لنجاح رحلة الحج كما أشرفوا على أدائها اليمين المقدسة استعدادا للرحيل.

وذات ليلة باردة قررت ( أورن) التوجه الى الجبل فأوضحت لكنتها (تامايان) كل ما يتعلق بالأطفال والطعام، ثم صعدت فوق لوح خشبي كان ابنها (تابي) يحمله على ظهره وهو معد خصيصا لمثل هذه الأمور.

وبدأت الرحلة الشاقة، وقد استطاع (تابي) أن يجتاز أربعة جبال وأن يلتف حول المستنقعات حتى بلغ قمة الجبل، كان يسير مفكرا بأنه يمشي بأمر من إله الجبل، وهكذا بلغ مكان الأودية السبعة حيث رأى ناراياما أمام عينيه وكأنه جالس.وهناك في القمة كانت تتناثر جثث حديثة تملؤها الغربان، بعدما مزقت بطنها واتخذت منه عشا لها. وكان تابي يزداد رعبا على الدرب الصاعدة كلما صعد ازداد عدد الغربان وازدادت العظام البيضاء المتناثرة كالثلج.

نزلت (أورن) عن اللوح وجلست قرب صخرة لتتلو صلواتها، وعاد تابي دون ان ينبس ببنت شفة حسب الطقوس المقدسة نازلا الجبل، وخلال رحلة العودة بدأ الثلج يتساقط، فتذكر ما أعلنته (أورن) أنها عندما تذهب إلى الجبل لا شك أنها سوف تثلج، فاخذ بالصعود مرة أخرى ليخبر والدته أن الثلج يتساقط ناقضا العهد الذي لا ينبغي له أن ينقضه.

وعندما بلغ الصخرة كانت (أورن) جالسة تتلو صلواتها، أومأت له بالعودة بيدها دون أن تتكلم.عاد تابي خوفا من أن يكون أحدهم قد علم بانتهاكه قواعد الجبل، ماراَ بالوديان السبعة حيث شاهد اللص (ماتايان) الذي يسرق مخزون الغذاء من بيوت أهل القرى يوشك على رمي والده في واد تحيط به أربعة جبال حيث حومت الغربان فوقه.

عندما وصل تابي البيت كان الثلج قد أصبح كثيفا وقد خيم الليل. كان الأطفال يتحدثون عن جدتهم (أورن) وكأنهم لا يعلمون أنها لن تعود، فقد غطتها الثلوج ولا جود لأي غراب قربها، فقد طارت الغربان بعيدا بسبب الثلج مما يعني ان نهاية العجوز (أورن) كانت سعيدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات