مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والصحافي العراقي شاكر نوري وهو حاصل على دكتوراه في الإعلام والدراسات السينمائية والمسرحية من جامعة السوربون وصدر له من قبل عدة كتب منها «المقاومة في الأدب» و«الحركة الصهيونية في فرنسا» و«غارودي في المحرقة.. محاكمة تفكيك الأساطير». يقول غارودي: حرية الفكر موجودة إذا كانت تصب في منهج السلطة بشتى أنواعها.

ويلخص الكتاب الذي نعرض له مسيرة المفكر الفرنسي روجيه غارودي وكفاحه ضد الصهيونية. وتنبع أهمية تناول المؤلف للشخصية محور الكتاب من العلاقة الخاصة التي ربطت الطرفين ففضلا عن كون الدكتور شاكر نوري متابعا لغارودي منذ سنوات الغليان الماركسي في السبعينات فقد كان قريبا منه خلال فترة تواجده في فرنسا حيث كان المؤلف على مدار عشرين عاما يزوره باستمرار في منزله ويحاوره على فترات متقطعة.

وعلى ذلك يقدم لنا المؤلف من خلال الكتاب صورة إجمالية لرؤى غارودي في مختلف الموضوعات التي نالت جزءا من اهتماماته فنتابع مع المؤلف الإرهاب الغربي وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، والإرهاب الفكري في فرنسا وتغييب الأميركيين للثقافات الأخرى، إلى جانب استعراض تفصيلي لمحاكمة غارودي بسبب كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية » والتي تابعها المؤلف وسجل تفاصيلها.

ومن خلال الكتاب فإن القارئ سوف يذهله الجرأة التي تعكسها آراء غارودي وهى التي جعلته محل خوف دور النشر الفرنسية فبعد أن كانت تنشر له أعماله والتي تجاوزت الأربعين كتابا فإن مفكرا وفيلسوفا بحجمه وقد ناهز التسعين من العمر يجد صعوبة في نشر كتابه الأخير الذي عنونه بـ «الإرهاب الغربي» حتى أنه نشر على نفقته الخاصة.

ورغم أن مبيعات الكتاب تجاوزت 30 ألف نسخة إلا أنه مما قد يبدو مثيرا للدهشة أن الكتاب بيع بطريقة سرية لأن غالبية المكتبات ترفض عرضه وبيعه في واجهاتها في ضوء حقيقة أن واجهة مكتبة في الحي اللاتيني تم كسرها لدى عرضها كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية». وإذا كان المؤلف يعبر عن دهشته من ذلك في ضوء عدم تصوره أن ثمة إرهابا فكريا في فرنسا بهذه الدرجة من الحدة فإن إجابة غارودي تأتي واقعية ومعبرة حيث يقول: حرية الفكر موجودة إذا كانت تصب في منهج السلطة بشتى أنواعها.

وفي جولة على قضايا الساعة نتابع مع المؤلف رؤى غارودي بشأن الأزمة العراقية فالأميركيون حسبه في نيتهم أن يحولوا العراق إلى قاعدة لاحتلال الشرق الأوسط بكامله. أما ما يتمناه للعراق فأن يصبح مقبرة للأميركيين حيث بداية إفلاسهم لأنهم سيضطرون إلى مغادرته آجلا أم عاجلا كما اضطروا إلى مغادرة فيتنام من قبل. أما عن أحداث سبتمبر فيكرر غارودي موقفه الذي أعلنه من قبل ويتفق فيه إلى حد كبير مع الكاتب الفرنسي تيري ميسان الذي يرى أننا أمام قضية تتعلق بالخيانة العظمى أو المؤامرة مضيفا أن هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها المخابرات الأميركية أو يقوم بها القادة العسكريون أو رجال السياسة بمثل هذا العمل الاستفزازي لإجبار السكان على قبول فكرة إشعال الحرب خارج حدود الولايات المتحدة.

ثم يشير إلى الحرية في فرنسا فيقرر أنها تعاني من مشكلة عدم تقبل الآخر بل رفض الآخر مشيرا إلى أن السياسيين يتهافتون على كسب ود اليهود لكسب رضا الإعلام مع أن يهود فرنسا لا يمثلون سوى 2 بالمئة من السكان لكن بالرغم من هزالة هذه النسبة فإن الصهيونية تسيطر على جميع سياسات الإعلام الفرنسي بما فيها دور النشر والسينما.

وعودة إلى تقييم وضع الولايات المتحدة على مستوى النظام الدولي يشير غارودي إلى أنه لعلاج الخلل الحاصل في العالم يجب استبدال الوحدة الإمبريالية تحت هيمنة الولايات المتحدة الأميركية وشركائها المتواطئين معها بوحدة سيمفونية متناسقة توجد ما يمكن تسميته بالمجتمع المتفرد حيث يقوم كل شعب وبشكل متساو في الإسهام بثقافته الخاصة وإيمانه الخاص من أجل أن يكون باستطاعة كل طفل وامرأة وكل رجل في العالم أجمع عبر الوسائل الاقتصادية والتقنية والثقافية والروحية المتاحة أن يطور كل الإمكانيات الكامنة في داخله ومن ثم وضعها في خدمة المجتمع.

أما عما يحتاجه العالم في القرن الجديد فيشير غارودي إلى أننا أكثر حاجة أكثر من أي وقت مضى لصعود جديد للإيمان لا يعمل على تحريك الجبال فحسب بل يحمل الأرض بأكملها على أكتافه ومن أجل معرفة حجم هذه المهمة يشير غارودي إلى أنه يكفي أن نقوم بجردة حساب للقرن العشرين ولا تشمل هذه الجردة حروبه فقط التي أدت إلى 11 مليون قتيل في الحرب العالمية الأولى و50 مليون قتيل في الحرب الثانية.

وحسب المفكر الكبير فإنه يدعونا إلى النظر مرة أخرى في أكبر الجرائم التي اقترفت في التاريخ لنكتشف بأن البؤس والمجاعة قتلا أكثر من الحروب. إن نموذج النمو والتطور في الغرب يكلف بقية أنحاء العالم من خلال تعميم سوء التغذية والمجاعة 40 مليونا من الموتى في العام من بينهم 13 مليونا ونصف المليون من الأطفال حسب تقديرات اليونيسف أي ما يعادل ما سببته هيروشيما من موتى كل سنتين.

وفي موجة من موجات تمرده التي تثير عليه الكثيرين وتجعله يقدم آراءً تقع خارج المألوف يقول غارودي ان صندوق النقد الدولي يقتل كل عام من الأبرياء أكثر مما قتل هتلر أثناء هيمنة الوحشية طيلة 12 عاما، متسائلا هل يمكن أن نتخيل أن أربعة أخماس البشرية ممن تقل أعمارهم عن 25 عاما يخضعون لعملية القتل دون أن يتمردوا من خلال اللعبة السرية القاتلة التي تقودها الولايات المتحدة تحت اسم الليبرالية التوتاليتارية بمعاونة صندوق النقد الدولي التابع لها. وعن وقوف الولايات المتحدة وكذلك فرنسا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى بمساندة أعتى الديكتاتوريات في العالم بينما تدعي الحرية يقول غارودي ان هذه الدول بذلك لا يمكن أن تقودنا سوى إلى الانتحار الكوني.

وفي عروج على الأوضاع السياسية في المنطقة يقول غارودي ان الأسطورة القائلة بأن مصر قائدة العالم العربي قد ماتت وأنه بالمقارنة مع إسرائيل وبقية العالم العربي فإنها فقدت 50% من قوتها وعلى المدى القصير يمكنها أن تجني الفوائد من استعادة سيناء ولكن ذلك لن يغير حسبما يرى من موازين القوى بشكل أساسي. وبتعبير يبدو قاسيا دون أن يبالي بذلك يقرر بثقة ان مصر الكيان المركزي تحول إلى جثة وخصوصا إذا ما أخذنا في الحسبان التصادم المتزايد بين المسلمين والمسيحيين.

وبمنطقه ورؤاه الثورية رغم أنه في ال91 من العمر يقرر غارودي في معرض سؤال لشاكر نوري بشأن أبعاد تولد العنف أنه «من خلال التناقضات الموجودة بين الذين يعيشون حالة الثراء وبين الهامشيين والمعزولين عن المجتمع يتولد عنف لا حدود له يصاحب الانفجارات العشوائية للضواحي في مدننا».

ومن العالم المعاصر وقضاياه الساخنة إلى قضايا أخرى يجول بنا المؤلف مع الفيلسوف الكبير متطرقا إلى أسباب تراجع الإسلام في القرن الثاني عشر مشيرا إلى أن هناك أسبابا خارجية أدت إلى ركود الإسلام وتراجعه ومن ذلك حسبما يقرر أنه تم سحق أكبر مركزين من مراكز إشعاع الثقافة الإسلامية وهما بغداد وقرطبة حيث استولى حفيد جنكيز خان على بغداد عام 1258 كما استولي فيرناند كاستيل الثالث على قرطبة عام 1236 إلا أن الأسباب التي ساهمت في انطفاء روح الإبداع العلمي تولدت من الداخل وجاءت من التقليد والانطواء على الذات والعزلة والاكتفاء.

وإذا كانت حياة غارودي سيؤرخ لها رغم كل ما أسهم به في الفكر الإنساني بكتابه «الأساطير المؤسسة للسياسات الإسرائيلية» إزاء ما تعرض له بسببه وكان بمثابة محطة فاصلة في حياته يفرد المؤلف في هذا الصدد قسما خاصا لهذه القضية تكشف حسبما يذكر وأشرنا في مستهل هذا العرض الى زيف حرية الفكر في فرنسا أو في الغرب حيث وصل الموقف منه هناك إلى حد وصف الكاتب بأنه يعد عملا من أعمال الشيطان.

من بين الجوانب المثيرة للدهشة التي يذكرها المؤلف أنه خلال المحاكمة التي جرت بمقتضى قانون جيسو بدعوى إنكار غارودي جرائم ضد الإنسانية لم يجد أحد القضاة غضاضة في أن يوجه سؤالا إلى غارودي يقول له فيه: ألا تخجل ان تؤلف مثل هذا الكتاب؟ وكأنه يوبخ تلميدا غبيا اقترف ذنبا.

واذا كان في رفض دور النشر كتب غارودي دلالة على مدى الإرهاب الفكري فإن ما نشره أحد الكتاب أثناء تلك المحاكمة يوضح لنا حقيقة اتجاه الأوضاع في تلك الفترة حيث راح يقول: لماذا نستمر في مكافأة غارودي ومنحه تسمية الشرف وهي الفيلسوف في الوقت الذي أدينت كتاباته ل«حقارة» محتوياتها ومضامينها بل إنها تعد جنحة؟ يجب ألا نحول غارودي إلى ضحية لمحاكمة الفكر لأننا بذلك نسجل اسمه إلى جانب الكتاب والمفكرين المحترمين الملاحقين بسبب يتعلق بحرية الفكر من سقراط إلى إسبينوزا وصولا إلى سلمان رشدي؟ فيما يعلق المؤلف على ذلك بإبداء دهشته من إنكار هذه الوضعية لغارودي ومنحها لسلمان رشدي الذي يصفه بالطفل المدلل للغرب.

وفي نبرة تتسم بالهدوء يقول المؤلف ان كتاب الأساطير الذي حوكم غارودي بسببه وترجم إلى 29 لغة عالمية كتاب سياسي محض لا يسعى إلى مهاجمة الديانة اليهودية وهو ما أشار اليه غارودي بقوله خلال المحاكمة: إنني أحترم الديانة اليهودية ولكنني أحارب السياسة الصهيونية. وحسب نوري فلقد كشفت هذه المحاكمة أن الصهيونية لا تزال تستخدم كل اقنعتها ودينها وتراثها وضحاياها ومآسيها وتستوحيها من معاناة الشعب اليهودي لتنفيذ مخططاتها.

لقد حوكم غارودي لانه وقف ضد العقلية التي تساند جمود التاريخ والقهر واغتصاب الأرض.. إنه لم يقل سوى ان إسرائيل تستخدم كل آلامها وكل مآسي الشعب اليهودي من اجل تبرير سياستها القائمة على تضخيم عقدة الاضطهاد لغرض فرضه على شعب آخر لا مسؤولية له فيما جرى. وعود على بدء.. ففي 16 يناير عام 1998 اختتمت الجلسة الأخيرة من الدعوى القضائية ضد غارودي وسط تصفيق الجمهور والحراسة المشددة على المفكر الفرنسي أثناء خروجه من قصر العدالة وكأن ستارا أسدل على دراما تاريخية سيخلدها تاريخ الفكر الفرنسي المعاصر لأجيال عديدة قادمة.

مصطفى عبدالرازق

*الكتاب:روجيه غارودي.. هذه وصيتي للقرن 21

*الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت2007

*الصفحات:207 صفحات من القطع الكبير