مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والإعلامي السوري حسين العودات، الذي سبق وأن عمل مديراً عاماً لوكالة الأنباء السورية «سانا» في الأعوام (1966 ـ 1970)، وهو مؤسسها، ثم مستشار رئيس الوزراء لشؤون الصحافة، ثم لشؤون الثقافة في الأعوام «1971 ـ 1985»، وأصبح مديراً عاماً لدار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع منذ عام 1987

وإلى يومنا هذا. وله العديد من الكتب والدراسات والأبحاث حول شؤون الإعلام والثقافة والمجتمع والسياسة في البلدان العربية، منها: «الموت في الديانات السماوية»، و«وثائق فلسطين (1789 ـ 1987)»، و«موسوعة المدن الفلسطينية»، و«موسوعة الصحافة في بلاد الشام»، و«موسوعة الصحافة في بلاد المغترب»، و«العرب والنصارى»، و«المرأة العربية في الدين والمجتمع».

ويتناول العودات في كتابه الجديد «دراسات إعلامية» قضايا عديدة، تتصل بالتحولات الجديدة التي أحدثتها ثورة الاتصال والتقانة في عالم الإعلام وفي مختلف مجالات الفكر والحياة والمجتمع. وهي تحولات إيديولوجية وسوسيولوجية وتقانية وقانونية، فضلاً عن بناء علاقات جديدة بين المرسل والمتلقي وبين وسائل الإعلام والمجتمع،

بعد أن أضحت الرسالة الاتصالية قادرة على الوصول إلى كل فرد في عالمنا، رغم القيود والحدود وادعاء السيادة. وصار بإمكان المتلقي أن يعرف ما يجري في المجتمعات الأخرى، ويطلع على تجارب هذه المجتمعات وهمومها واهتماماتها ومشاغلها، وأن يوصل معارفه وتجاربه وآراءه إلى الآخرين، كلياً أو جزئياً، متجاوزاً شروط المكان والزمان.

غير أن دخول وسائل الإعلام الحياة السياسة والاجتماعية، وكونها من عناصر السلطة لا يعني أنها تخدم مصالح الدولة دائماً، وبصورة مطلقة، وذلك لأن السياسة الحديثة لا تقتصر على أنشطة الدولة، بل تتضمن مؤسسات سياسية أخرى، مثل الأحزاب السياسية وجماعات الضغط وغيرها من الأشكال الممثلة للمجتمع، وإلى جانب ذلك يجب ألا يفوتنا المشاركة في الحياة السياسية من قبل الساسة المستقلين غير المنتمين إلى أية أحزاب معينة، وغير المشاركين في السلطة، وعلى ضوء ذلك توجد وسائل الإعلام المستقلة بمعنى عدم انتمائها المباشر إلى السلطة أو إلى أية أحزاب معينة.

وتبرز في سياق البحث في الإعلام صعوبات عديدة، نظراً للطبيعة المتغيرة للاتصال، الأمر الذي يجعل تلك المفاهيم خاضعة لظاهرة التبدل الدائم الذي تفرضه عمليات تطور وسائل الإعلام، حيث حولت وسائل الإعلام الحديثة طبيعة النظر إليها لدرجة باتت تولد قلقاً لدى الأمم والجماعات، من جهة أنها تولد تحولات في معاني الثقافة والحضارة، وتنتج مصطلحات محكومة بالعمومية أو بردود فعل أو في استعمالات لمصطلحات غير مألوفة ويصعب ضبطها.

وفيما يغدو الإعلام في عالم اليوم من معطيات الحياة المدنية، فإنه بات خاضعاً للإنجازات التقنية، واتخذ أشكالاً خاصة، غيرّت من نوعية العلاقات البشرية في عصرنا المعولم. وشغل الإعلام في موازاته وسائل الاتصال الجديدة مجموعة هائلة من الوقائع والحوادث والمعطيات التي تمثل حقل التوظيف الواسع.

وصارت الصحافة، بوصفها سلطة رابعة وقوة كتابة جذابة للسلطات، في حال من التراجع أمام تقنيات الشاشة في تنشيطاتها المختلفة. وهناك مسافة يقطعها الإنسان المعاصر، تمتد من سلطة الشاشة التلفزيونية إلى شاشة الألعاب الالكترونية، وسلطات أجهزة التحكم عن بعد، وصولاً إلى الفأرة الالكترونية، وشاشة الإنترنت. وقد خلقت وسائل الإعلام نوعاً فريداً في التواصل الإنساني، ذا اتجاه وحيد: من المرسل إلى المرسل إليه، لاغية بذلك تبادل المواقع في عملية التوصل.

وصار المشهد المعّد كما ينبغي ينسج عقل المشاهد وفق متطلبات ما يُطلق عليه «مجتمع المشهد»، وبرزت الصورة الرقمية، التي تضع مختلف الحواس خلف العين، حيث أضحت الشاشة بوساطة العين بوابة الجسد إلى الذات والعالم والأشياء. ونشأت لغة-الصورة كنظام يحمل خصوصيته الوسيطية المتناسبة مع مُثل وقيم العولمة الكونية التي تخدم اقتصاد السوق وأقطابه الرئيسية. تلك اللغة التي تقترب من لغة العامة لملايين النساء والرجال، تحمل المعلومة والخبر ببساطة واستسهال وتلفيق، محولة الكائن إلى مجرد رقم عارض وبسيط في المجتمع-المشهد.

ويعتبر الحق في الاتصال من ابرز القضايا المحورية في عالم الاتصال اليوم، ليس فقط لأنه يمس بصورة مباشرة حقوق الإنسان وقضايا الإعلام والاتصال ذاتها، ولكن لأنه يمس بصورة مباشرة أيضاً مهماتهما ووظائفهما بجوانبها السياسية والتنظيمية والقانونية والفنية والسياق المجتمعي العام الذي يمكن أن يمارس فيه هذا الحق بأشكاله المختلفة.

أي انه يمس ويعكس وضعية أي نظام قائم ودرجة تطوره، واتجاهات ومصالح (الصفوة العليا) ورؤيتها لمتطلبات تماسك النظام ذاته، ومتطلبات الدفاع عنه بما يحقق مصالحها التي تتصورها. وعلاوة على ذلك يضم حق الاتصال مجموعة معقدة من التفاعلات والعلاقات بين الفرد ومكونات النظام الاتصالي الذي يعيش في داخله، والتي تحدد وظائفها وحركتها الصفوة العليا ذاتها، وتفاعلات أخرى معقدة بين النظم الإعلامية المختلفة في البيئة الدولية، بما تعكس من صراعات إيديولوجية وتناقضات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

ويرى المؤلف أن العرب لم يكونوا غائبين عن إدراك أهمية حق الاتصال بما يتضمن من ضرورة الحرية في الحصول على المعلومات وحرية تداولها والاستفادة منها واعتبار ذلك حقاً لكل فرد في المجتمع وحق الفرد في حرية التعبير، وفي أن يعلم ويُعلم، وفي حماية خصوصيته وحركته، وحقه في الاجتماع، والانتفاع بموارد المعلومات وحق المؤسسات الإعلامية في الانتفاع بموارد المعلومات وحرية التعبير، وفي النشر وحرية الحركة،

وعلى النطاق الدولي، حق كل الدول في أن تعلم، وفي ضمان التدفق الحر والمتوازن للمعلومات، وفي حماية ذاتيتها الثقافية. لكن حق الاتصال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى توفر الحرية في المجتمع وحرية الإعلام خاصة، وهذا ما كفلته دساتير بلدان العالم كلها ومنها البلدان العربية، إلا أن هذا الاعتراف الدستوري لم يجد مرتسماته في الواقع المعاش،

خاصة ان بعض هذه الدساتير ربطت، حريات الرأي والتعبير والطباعة والنشر، بقيود قانونية جاءت في صياغات مختلفة مثل «في حدود القانون» أو «بمقتضى القانون» أو «حسبما يضبطها القانون» ، أو وفقاً للشروط والأوضاع التي بينّها القانون أو «بشرط ألا يتجاوز حدود القانون» أو «في حدود القانون والنقد الذاتي والنقد البناء ضماناً لسلامة البناء الوطني».

ويميز المؤلف ما بين السياسة الاتصالية وبين السياسة الإعلامية، حيث تخص السياسات الاتصالية الطريقة والنهج وآلية التواصل في مجتمع ما بين أفراده وشرائحه الاجتماعية وطبقاته وبين الحاكم والمحكوم وفي الآن نفسه بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، أي الطريقة التي يتواصل بها أفراد المجتمع بعضهم مع البعض الآخر والمجتمع كله مع نظامه السياسي وإدارته، وآلية الحوار التي تتم لتتمكن من تدبير أموره وإدارة حياته ورسم مستقبله والحفاظ على شخصيته الوطنية والثقافية وفهم ما يجري من تطورات ومستجدات داخله وحوله وفي العالم كله.

وعليه فإن السياسة الاتصالية أشمل وأوسع وأكثر تعقيداً من السياسة الإعلامية، لأن الأخيرة هذه تتعلق أساساً بوسائل الإعلام الجماهيرية فقط، أما السياسة الاتصالية فتتناول كل ما له علاقة بتواصل الناس بدءاً بالتخاطب المباشر وصولاً إلى التعامل مع شبكة المعلومات، مروراً بالمدرسة والمناهج والكتاب والمحاضرة والهاتف وجميع وسائل التواصل والحوار.

لكن المؤلف يأخذ على البلدان العربية النقص في التشريعات التي تنظم السياسات الاتصالية وتتركها للسلطات لتقدر وتجتهد كما تتركها للمبادرات الفردية، وإن وجد بعض هذه التشريعات فنادراً ما يتم الالتزام بها، وليست العبرة بالتشريعات والقواعد القانونية في كل الأحوال، ولكن العبرة بالممارسات الفعلية التي تعكس روح التشريعات لصالح النظام الاتصالي ذاته، وتوفر لمكوناته إمكانية التفاعل السليم لتحقيق أهداف النظام.

ويشترك الإعلام العربي في كل أقطاره بفشله بالقيام بدوره التنموي، فلم يقم بهذا الدور كما هو مطلوب، وبقيت حواجز عديدة قائمة بين السياستين الإعلامية والتنموية، وسواء كانت المسؤولية تقع على الإعلاميين أم على التنمويين فلا يغير ذلك من الأمر شيئاً. إضافة إلى عدم قدرة معظم الأقطار العربية على تحويل سياساتها الاتصالية إلى خطط طويلة المدى تستهدف أهدافاً طموحة، وتبدو خطورة هذه النقطة بالنسبة إلى الأقطار العربية التي ليس لديها سياسات اتصال وإعلام مصاغة ومعلنة.

بالمقابل فإن الخطاب الإعلامي العربي ما زال قاصرًا عن إنجاز مهمته في تعزيز مبدأ التناول الموضوعي للعملية الإعلامية، وهو بذلك بحاجة ماسة إلى رسم رؤية متطورة لحاجات المجتمع العربي والعمل على تحقيق أهدافه من خلال أجواء الحوار والتفاعل الداخلي والتفاعل مع الآخر بكل أشكاله، بعيدًا عن أي ضغوط أو اعتبارات ليس لها علاقة بالتناول الإعلامي الموضوعي الحر.

عمر كوش

* الكتاب: دراسات إعلامية

*الناشر: دار الإهالي دمشق 2006

*الصفحات: 152 صفحة من القطع المتوسط