أحمد برقاوي مؤلف هذا الكتاب، هو باحث ومفكر وأكاديمي فلسطيني غني عن التعريف، وهو يقيم في دمشق، فقد تخرج من جامعتها حيث نال الإجازة في الفلسفة ثم الماجستير، وتابع دراساته العليا فنال شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لينينغراد الحكومية في الاتحاد السوفييتي السابق.

وهو من الوجوه البارزة، الآن، في قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة دمشق حيث يدرِّس صدرت له مؤلفات عديدة، منها: «محاولة في قراءة عصر النهضة ـ الإصلاح الديني، النزعة القومية»، «العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ»، «ابن رشد معاصرا»، «العرب وعودة الفلسفة»، «دفاعا عن الأمة والمستقبل»، «المسألة الثقافية في العالم العربي الإسلامي»، «أسرى الوهم» وغيرها.

شارك في مؤتمرات وندوات عربية ودولية كثيرة، وهو يتقن، إلى جانب العربية، الروسية والإنكليزية. في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «الأنا» (إصدار خاص)، يبتعد برقاوي تماما عن الأسلوب الأكاديمي الرصين.

ولا يتقيد بأي منهجية علمية في البحث، فهو يقدم نفسه ببساطة شديدة، نازعا عن نفسه صفة الدكتور أو الأستاذ أو الفيلسوف، ليقدم بدلا من ذلك شخصية أحمد برقاوي الإنسان الذي اكتسب خبرة واسعة في هذه الحياة، وخبر بحسه النقدي الرفيع تجارب كثيرة، فراح يسكب عصارة هذه التجربة.

وفحوى تلك الخبرة في صفحات هذا الكتاب الذي يتمحور حول مفهوم «الأنا» بكل ما يحمله هذا المفهوم من تعقيدات ودلالات، وهو يعترف بذلك إذ يقول: «إن صعوبات كثيرة تواجه من يتصدى للأنا بالنظر والتأمل، لكنها يجب ألا تحول بيننا وبين الخوض في هذا المعقد».

وهاهو أحمد برقاوي يخوض في هذا المعقد بصورة جد مبسطة، فقد يظن القارئ، للوهلة الأولى، حين يقرأ عنوان الكتاب واسم المؤلف، أنه إزاء بحث فلسفي شائك لا يمكن له التواصل معه، غير ان تقليب صفحات الكتاب، يذهب بهذا الظن بعيدا.

ويكشف عن سلاسة واضحة تميز بها الكتاب، فضلا عن متعة نادرة يوفرها كم المعلومات المقدمة في قالب جمالي ولغوي يسهل على القارئ التواصل من خلاله مع الكتاب دون أي وسيط.

يشير برقاوي إلى ان الهاجس الذي دفعه إلى تسليط الضوء على «الأنا» في هذا الكتاب هو التذكير بـ «الأنا» الذي ضاع في خضم النسيان من جراء الإعلاء من شأن «النحن».

وهو بذلك ـ وكما يوضح ـ يريد أن يعيد الاعتبار للأنا كوجود ذاتي يفرح ويحزن ويتأمل ويتعذب ويكظم الغيظ ويثور ويستسلم ويكره ويحب... وبغية تحقيق هذا الهدف فهو يجتهد، وعبر خمسة فصول، في معالجة مختلف القضايا التي تتعلق بالأنا، فيرصد التعينات الممكنة للأنا،، وينطوي هذا الرصد على شذرات من موقفه للأنا كما يجب أن يكون.

وهو في مختلف أبحاث الكتاب لا يغفل عن الدفاع عن نمط من «الأنوات» دون ان يفرد فصلا خاصا بها، فهو يعلي من شأن الأنا النبيل، والأنا المتمرد، والأنا المأساوي، والأنا الزاهد، ويرى بأن كل هذه الأنماط ذات بعد أخلاقي في الأساس. وهو في المقابل يدين الأنا الوضيع، والأنا البخيل، والأنا المستبد وغيرها من أنماط الأنا التي تكون محل تندر من برقاوي.

ويوضح برقاوي مفهوم الأنا فيقول بأن «الحقيقة البسيطة والواضحة التي يعرفها الأنا أنه ليس الآخر. وشعوره بالتمايز عن الآخر شعور حقيقي لا يستطيع أن ينكر أحد على الأنا هذا الشعور. لكن الأنا يشترك مع الآخر بكثير من الصفات الخارجية» فالمهنة المشتركة تخلق التشابه بمعنى الأستاذ يشبه الأستاذ، والعامل يشبه العامل، والطبيب يشبه الطبيب، وهكذا.

ويرى برقاوي بأن الأنا ليس جوهرا مفكرا، الأنا واقعة، حالة لا وجود لها إلا ككلية، كوحدة جسدية.. روحية.. أخلاقية.. نفسية...، والأنا ليس فردا منعزلا، «لا وجود لحي بن يقظان» في إشارة إلى الحكاية التي تحكي قصة انعزال ابن يقظان عن العالم، الأنا على عكس ذلك شخصية حاضرة في تجمع إنساني.

إنها لغة، قيم، عادات، طموحات، أهداف، رفض، قبول... فهو وجود كلي معقد لا يكتسب تمايزه إلا بالوعي الذاتي. إنه وجود متمايز في العالم، ولأنه قائم في العالم، فإن العالم قائم فيه.

ويحاجج برقاوي في ان ثمة «أنا ظاهر»، و«أنا مخفي»، وهذا الانشطار ـ بحسب تعبيره ـ ناتج عن علاقة تنافر بين الأنا والعالم. و«على الرغم من أن هذا العالم من صنع الأنا تاريخيا لكن ليس هناك من أنا صانع له بمفرده، وبهذا المعنى هو موضوعي في علاقته بالأنا، لكن هذا العالم الموضوعي ليس حياديا تجاه الأنا.

إنه يفرض على الأنا ان يعيش وفق مشيئته، ولأنه عالم موضوعي فهو متعال على الأنا، يفرض عليه الالتزام بقوانينه». ويضيف برقاوي:النظام المتعالي الذي يخضع له الأنا متعين تاريخيا، متعين طبقيا، متعين مهنيا، متعين مدنيا، قرويا، بدويا .

..فكل أنا إذاً يجد نفسه في نمط من النظام المتعالي، والنظام المتعالي الكلي، نظام المجتمع، يفرض على الأنا سلوكا عاما فيما النظام المتعالي الخاص يفضي إلى تعدد في طريقة الالتزام به.

ويشير برقاوي إلى ثلاثة أنماط للأنا: الأنا التقليدية التي تؤثر استمرار قديمها، وأنا تميل إلى التمرد على القديم، وأنا تعيش التناقض داخل نفسها، فلا هي قديمة ولا هي جديدة، أو فيها حظ من القديم وحظ من الجديد. وهو هنا يؤكد على انشطارات الأنا، ويضرب على ذلك مثال الموقف من المرأة، فوعي الرجل الشرقي بالمرأة يتمثل في انه يريدها في الوقت نفسه عاملة .

وذات زي قديم، متعلمة وذات سلوك عامي، متحرر وذات موقف حذر من الرجل، مشاركة في الدخل وذات وظيفة بيتية مطلقة، مندرجة في الوسط الاجتماعي بحكم المهنة ومحرومة من الرأي في الزواج، فاعلة ولكن في حدود مهن يقررها الرجل...

والباحث إذ يشير إلى هذه الازدواجيات، فإنه لا يغفل عن طبيعة المجتمعات التي تختلف فيها القيم، وتتباين الأخلاقيات، وتتفاوت وجهات النظر تجاه مختلف القضايا فيه، فما هو طبيعي ومألوف في بريطانيا، مثلا، قد يكون غريبا في بلد عربي والعكس صحيح في هذا المجال، والأنا تخضع، بشكل نسبي، لكل هذه التمايزات.

ويشن برقاوي هجوما عنيفا على طبيعة المجتمعات المعاصرة التي أصبح فيها الفرد خاضعا للقيم الاستهلاكية وللسعي الحثيث وراء تكديس الثروة، فيقول: «الحق أن أكبر صنم يستبد بالإنسان المعاصر هو المال. والأنا يفقد حريته ـ ودون أن يدري ـ في علاقة غريبة عجيبة مع المال، المال الذي اخترعه الإنسان لعملية تبادل السلع.

المال السلعة، صار سلعة قامعة، صار سلطة عجيبة، سيد الأسياد، تركع أمام قدميه القذرتين ملايين الكائنات البشرية»، ويتساءل الباحث بحيرة: كيف تأتى لوسيلة تبادل أن أصبحت سلطة تراق على أبوابها الكرامة الإنسانية، كيف غدا معبودا إلى هذه الدرجة الخرافية؟ بحيث صار يفسد العلاقة بين الابن وأبيه، بين الأخ وأخيه!!

ولا يخوض برقاوي عميقا في كيفية امتلاك المال لكل هذه السطوة إلا انه ينتقد بشدة هذا الانسياق المحموم وراء بريق المال بحيث اصبح المال يستهلك الروح والجسد، ويحدد هوية الإنسان التي صارت «شيئية» «أنا أملك إذا أنا موجود»، بل ان قيمة الإنسان تقاس بما يملك.

وبرقاوي بالطبع يقف ضد هذه النزعة المجنونة تجاه المال إذ يرى بان «الطريق إلى المال هو الطريق الذي يحولني إلى شيء، إلى سلعة، إلى محطم لعالم القيم الإيجابية». ورغم إقراره بضرورة توفير المال لتأمين سبل الحياة، لكنه يضيف: «شتان ما بين توفير سبل الحياة وبين الخضوع للمال».

ويقف برقاوي بشيء من التفصيل عند الأنا الوضيع ويرى بأن المخبر الذي يشي بأصدقائه ورفاقه هو الذي يمثل هذا الأنا الوضيع إلى حد بعيد، ويستشهد في هذا السياق بقصيدة «المخبر» لبدر شاكر السياب الذي يقول فيها على لسان المخبر: «أنا ما تشاء، أنا الحقير، صباغ أحذية الغزاة وبائع الدم، والضمير...أنا اللئيم أنا الغبي أنا الحقود...».

ويعلق برقاوي شارحا طبيعة أنا المخبر فيقول: «ها هو المخبر يقف وجها لوجه أمام الآخر، معلنا صراحة أنه غير مكترث بأي حكم سلبي على ما يقوم به، غير مهتم بأي أوصاف مرذولة يخلعها الآخر عليه، فالآخر لم يعد موجودا، والمخبر فاقد للعلاقة الإنسانية معه.

المخبر يعيش خارج القيم الإيجابية التي تمنع الأذى أو تحد منه. إنه كائن واع لما يفعل، واع لفعل الشر. إنه الخلو من الضمير كقوة رادعة. وبالتالي لا حدود لممارسة الإيذاء ونفي الآخر».

والواقع أن أنا المخبر هو الأكثر وضاعة في التاريخ البشري أفكار وتداعيات كثيرة يدرجها الباحث في سياق هذا الكتاب إذ يتحدث، في مبحث مستقل، عن وقائع القتل اليومي التي تملأ الواقع وشاشات الفضائيات.

وهو في هذا المبحث لا يقف عند مسألة القتل على بشاعتها وخطورتها، بل يتجاوزها ليصل إلى الحديث عن «أيديولوجيا القتل»، أي تلك الأفكار والمبادئ التي تشرعن القتل وتجعله أمرا عاديا، كذلك يتحدث عن المبادئ الأخلاقية التي أعلن عنها المفكرون والفلاسفة .

والتي تمنع القتل مثل الفيلسوف الألماني كانط الذي قال «لو كانت سعادة العالم بأسره مرهونة بقتل طفل بريء لاعتبر قتل هذا الطفل جريمة لا تغتفر»، وهو يذكر في هذا السياق بقصة النبي ابراهيم وامتحان الله له بأن يذبح ابنه، وعندما هم بأن يضحي بابنه إخلاصا لله، نودي: «يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا، هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه».

وهكذا كان، ويرى برقاوي بأن لهذه القصة دلالات رمزية كثيرة فالإله أراد ان يختبر ابراهيم بأصعب اختبار ممكن إلا هو ذبح الابن. وما إن نجح ابراهيم بالاختبار حتى تدخل الإله ، لأن الإله يعرف ما قيمة الابن، فقرر ان يفديه بكبش من السماء، أي بحيوان هو بالأصل موضوع ذبح. ويتساءل برقاوي، بعد ذاك، بمرارة :

ترى أي أمر يدفع مؤدلجو الحرب لدفع الأبناء إلى القتل: ليقتلوا ويُقتلوا؟ ويخلص إلى القول: «ليس هناك أخطر من القتل إلا أيديولوجيا القتل، الأيديولوجيا التي تشرعنه وتتغزل به».

ويتحدث برقاوي كذلك عن الموت والهواجس المتناقضة والغامضة التي يتركها لدى الأنا الذي يميل نحو البقاء، ورغم ان الموت حقيقة لا يرقى إليها الشك غير ان الأنا يخاف طوال عمره من الموت، بل ترى اشد الناس تشبثا بالحياة أولئك الذين بلغوا من العمر عتيا، واقل الناس خوفا من الموت من هم في ريعان الشباب.

حيث حب المغامرة يطبع سلوكهم. ويسلط الضوء على فكرة الموت في الديانات السماوية وحتى الديانات الوضعية ويلاحظ بأن هذه الديانات ترفض جميعها فكرة الموت الأبدي، وهو لا يقدم أي تأويل لهذه القناعات لكنه يحاجج بأن فكرة الموت تولد ما يسميه بـ «الأنا المأساوي».

إن هذا العرض لا يمكن أن يقدم لمحة كاملة عن مجمل مواضيع الكتاب: الوجود المغترب، الأنا المعزول، اغتراب المرأة، المثقف الوطواط والمثقف المعتدي، أخلاق الغريزة، الأنا الحر، العلم وتناقضاته، الوعي الطوباوي وغيرها من المسائل والقضايا المهمة التي يطرحها الباحث ويعالجها بكثير من الهدوء والتأني.

وهو في سعيه لتوضيح جميع جوانب وأنماط وحالات الأنا يخوض في الكثير من المسائل الحياتية التي نعيشها، ذلك ان الحديث عن الأنا هو حديث عن الإنسان بكل ما يحمله من مشاعر وأحاسيس ومخاوف وهواجس، وآمال، وأحلام، ورؤى، وأفكار، وأوهام... الخ.

ورغم محاولتنا اقتباس بعض الآراء الواردة في الكتاب إلا ان هذا الاقتباس جاء بشكل حذر، وبكثير من التحفظ، فمن الصعوبة بمكان اجتزاء فقرات أو جمل من متن النصوص وإدراجها، في هذا العرض، كشواهد على مضمون الكتاب، ذلك ان الباحث، وكما أسلفنا، لا يتقيد بالتبويب، والتصنيف.

ولا يضع شيئا في الهوامش، ولا يحيل كثيرا إلى المراجع، وحتى الغلاف ليس له أي بعد جمالي، بل هو يقدم نصوصه بشكل عفوي، تلقائي، غير منضبط، لكنها مفعمة بالمعلومات، والشواهد، والأمثلة، والحالات، والتجارب التي تغني البحث، وتجعل من قراءة الكتاب رحلة مشوقة في عالم الأنا الرحب والواسع، مصاغة بقلم باحث يتمتع بنظر ثاقب في الموضوع الذي يبحث فيه.

إبراهيم حاج عبدي

الكتاب: الأنا

الناشر: إصدار خاص ـ دمشق 2005

الصفحات: 212 صفحة من القطع

المتوسط