استهوتني مسرحية ممدوح عدوان "محاكمة الرجل الذي لم يحارب"، وأخرجتها لمسرح دبي الشعبي، وحازت على نجاح باهر بعد أن بدلنا اسمها إلى "سيف بوهلال".
حكاية المسرحية بسيطة؛ تتعلق برجل كهل حاكمته السلطة بعد أن غزا هولاكو العالم ووصل الى أسوار الدولة العباسية، فيلقى القبض على هذا الرجل العجوز ليحاكم بتهمة الخيانة وعدم محاربة العدو. ويصادف أن يكون مكان المحكمة قرب حدود الدولة العباسية لتنتقل إلى البصرة، نتيجة دخول هولاكو واختراقه الحدود قبل نهاية المحاكمة، ثم قبل سقوط البصرة تنتقل المحكمة إلى بغداد لمواصلة محاكمة هذا العجوز، وقبل سقوط بغداد تنتقل المحكمة إلى الموصل.. فحلب ... إلخ.
السلطة تحاكم رجلاً عجوزاً، أعزل من السلاح، عاجزاً عن تحمل أعباء الحرب.. لمجرد أن تبدو السلطة مهتمة بالوطن المسلوب. في ذاكرتي حكاية رواها لي أبي، حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، كان أبي يعمل مفتشاً عاماً لدوائر البريد والبرق والهاتف في البصرة، في ليلة سقوط البصرة إثر الاحتلال الانجليزي، بعد تمرد مجموعة من الضباط الذين عُرفوا بثورة مايس، في تلك الليلة كان أبي المفتش المناوب، أرسلت السلطة شرطيين يحمل كل واحد منهما بندقية إنجليزية قديمة، وسبع رصاصات تحديداً، كما قال رحمه الله.
وقفت البوارج البريطانية وسط شط العرب في شارع الكورنيش، وأنزلت الآليات العسكرية، وجحافل القوات البرية، وشكلوا سلسلة طويلة امتدت من الكورنيش، ثم بمحاذاة نهر العشار، والجيش البريطاني يزحف ممشطاً المدينة.
نادى الشرطي على أبي، وأخبره بزحف القوات البريطانية لاحتلال دائرة البريد، ثم حاول أبي أن يطلق عليهم النار من بندقيته، وهو لا يحمل سوى سبع رصاصات.
ضحك والدي.. وطلب منهم إخلاء المبنى وتسليمه للإنجليز بعد أن كانوا قد احتلوا كل العراق.. وهرب الموظفون والشرطيان من الباب الخلفي للمبنى.
بعد أشهر من الاحتلال، وما زال الإنجليز يحكمون العراق، قدم أبي والشرطيان إلى المحكمة العسكرية لمحاكمتهم بتهمة تسليم مبنى حكومي للجيش البريطاني. ما أقرب محاكمة أبي من محاكمة الرجل الذي لم يحارب لممدوح عدوان، ونوري السعيد إنجليزي أكثر من تشرشل، والحكومة جوهرها بريطاني والوصي عبد الإله، رجل بريطانيا الأول الذي اغتال زوج أخته، بناءً على طلب المخابرات البريطانية، والحكومة تحاكم رجلاً أعزل وشرطيين لا يملكان سوى سبع رصاصات، أمام أقوى جيوش العالم يومذاك.
أرجو أن تعيدوا قراءة المشهد اليوم وتتذكروا الرجل الذي لم يحارب، ومحاكمة والدي الذي سلم مبنى صغيراً لجيش عرمرم، كان قد احتل كامل التراب العراقي. لنقرأ أحداث اليوم في الوطن العربي.. ونعيد محاكمة الرجال الذين لم يحاربوا!