لا أدري كيف ربطت ما بين فوز توكل كرمان بنوبل وما بين جدتي صفية؟! عندما دققت في سيرة المرأتين، حتى ولو ان كل واحدة تمثل عصرها، فإن ثمة عدة خيوط بينهما، جعلتني أعتز بصفية جدتي، مثل اعتزازي بتوكل، بل أدركت أن مواقف المرأة العربية لم تتغير بتغير التضاريس.

ولا مستوى الثقافة ولا البيئة ولا حتى الحكومات وطبيعة الظلم الذي وقف أمام الإنسان العربي والتحديات التي حملتها المرأة، ولعل صفية جدتي مثالاً. أحكي لكم بعضاً من مواقفها وستجدونها توكل أيام زمان. كنت في السادسة، وكان الشارع السياسي العراقي مثله مثل بقية شوارع الوطن العربي، يغلي ويتفجر ويثور ضد السلطات الحاكمة.

جدتي صفية امرأة لم يستطع حوش البيت أن يمنعها من أن تربط شيلتها وتتحكم بعباءتها وتخرج للشارع تهتف بسقوط حكومة نوري السعيد. جدتي تعلمت القراءة والكتابة في حدود ما كان يسمح لجيلها من النساء، إلا أنها أول من علمتني الشعر وعرفتني بأمير الشعراء أحمد شوقي، قبل أن أتعلم فك الحرف.

وما زلت أذكر صورته معلقة في صدر المجلس، في بيتها في منطقة يحيى زكريا، في البصرة القديمة. كانت قارئة، فلم تترك كتاباً في مكتبة خالي الأديب محمود عبد الوهاب، لم تقرأه، بل كانت تحتضننا، نحن أحفادها الصغار، لتقرأ علينا بصوت عال: مجنون ليلى، عنترة، قميز. وغير ذلك من أشعار ومسرحيات شوقي، وكذا أشعار غيره من كبار شعراء ذلك العصر.

أمي جبانة، علمتنا الخوف ومنعتنا من التظاهر ورفض السلطة، على حين أن والدتها كانت متحررة، فيها عنفوان من نوع اخر، فكلما ألقي القبض على أولادها واعتقلوا، كانت تنضم إلى مظاهرة النساء تسير في شوارع البصرة، وصولاً إلى ساحة أسد بابل عند الجسر المقام في بداية الكورنيش، حيث يجتمع المتظاهرون.

ما زلت أذكر معتقل القشلة قبل أن يتحول إلى سوق عام لبيع الخضار واللحوم والسمك، وكان مخيفاً بل رهيباً، لكن جدتي كانت تأخذني معها أحمل السفرطاس وفيه غذاء لواحد من أخوالي المعتقلين في القشلة، وتدفعني مع مجموعة من الصغار.

حيث لم تكن الشرطة تضربنا أو تقسوا علينا لمحاولة إيصال الغذاء إلى ذوينا. ولكن الحراس يمنعوننا من دخول بوابة المعتقل الكبيرة، ويأخذون الأكل، إلا أنهم كانوا يتمتعون بمذاقه، ولم يكن يصل إلى المعتقلين، في حين تصر جدتي على التظاهر والوقوف لساعات في اعتصام أمام المعتقل، إلى أن يتم أطلاق سراح أولادها.

أما قلت لكم ان توكل هي صفية عصرها، وان فوز كرمان بنوبل هو فوز جدتي وجداتكم وأمهاتكم، فوز للمرأة العربية التي سجل لها التاريخ مواقف حاسمة في الوقوف بوجه السلطة الظالمة أينما كانت، في بغداد أو صنعاء أو القاهرة أو دمشق أو طرابلس، هي أمنا التي نعتز بمواقفها وبأصالتها، في تاريخنا البعيد والمعاصر.