قرأت أن جيرترود دايك، المعروفة باسم الدكتورة لطيفة، أوصت بكل وثائقها ومراجعها وتذكاراتها، والصحف التي تحتفظ بها وصورها، إلى المركز الوطني للوثائق والبحث في أبوظبي، قبل رحيلها في العام 2009، ولم أستغرب لوصيتها ووفائها، بعد أن قرأت التعليق التالي (لقد شهدت الدكتورة لطيفة ولادة أمة ونشأتها، فأرادت أن تساهم في ذاكرة الوطن).
وسيرتها طريفة، فبعد أن وصلت عام 1962 إلى أبوظبي، بمقتضى طلب الدكتور بات كيندي وزوجته ماريا، اللذين أسسا أول مستشفى حديث، بناء على طلب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان، في عام 1960، وكان المستشفى بحاجة إلى ممرضة، فسرعان ما لبت جيرترود الكندية، النداء وتركت جبال الجليد والصقيع، متجهة إلى كثبان الرمال الحارة، وانضمت إلى عدد قليل من العاملين في مستشفى الواحة. الوفاء بدأ من أهل الإمارات كما يستنبط من سيرتها الحياتية، ثم أصبح وفاء منها بعد أن اعتبرت أن الناس بطيبتهم عائلة لها، وهي لم تصبح أماً، إلا أن كل الولادات التي أشرفت عليها جعلتها أماً.
الدكتورة لطيفة، كما كان يطلق عليها، اندمجت في مجتمع الإمارات، واتقنت العربية نطقاً وكتابة وقراءة، وارتدت الملابس الوطنية المشكلة من الثوب التقليدي والعباءة. واندمجت هذه المرأة في المجتمع البدوي، وعاشت كل التحولات التي طرأت عليه، وكانت شاهدة على تغيير لون الصحراء إلى أخضر، بعد أن عمّت خيرات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان، كل إمارات الدولة، وأصبحت فيها عشرات المستشفيات الحديثة، تأسيساً لمستشفى الواحة.
ومن ما يذكر عنها، أنها كانت تتقن الفرنسية والألمانية والإسبانية، إلى جانب لغتها الانجليزية، وسرعان ما اتقنت العربية، وبدأت تعلمها لزملائها من الأطباء والعاملين في مستشفى الواحة، من أجل التقرب للمرضى والتعرف على مشكلاتهم الصحية بشكل أدق، وجدير بالذكر أن وثيقة عثر عليها فيما تركته من وثائق، هي عبارة عن رسالة خطية بقلمها أرسلتها إلى الراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان وإلى سمو الشيخة فاطمة، تهنئهما بالمولود الجديد. والرسالة منشورة في مجلة (ليوا) ديسمبر 2009، ومن ما يذكر أنها كانت تصرح بصدق عن وقوف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، بجانبها، ومساندتها لها واعتبارها جزءا من العائلة، مؤكدة ان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، جعلها تشعر منذ وصولها إلى أرض الكثبان الرملية المتحركة، بأنها لا تقل عن أي عضو من أعضاء عائلته المباشرة. والدكتورة لطيفة كتبت في مذكراتها أيضاً عن حياتها في العين: (هذه كانت سنوات سعيدة لي، ولم أندم أبداً على قدومي).
لقد كرمت في بلادها على دورها في خدمة الإنسان، ولسنواتها التي قضتها ما بين العين وأبوظبي، ومنحها الحاكم العام لكندا، جائزة كندا عام 2002، وكانت ولادتها عام 1934، وانتقلت إلى جوار ربها عام 2009، وقضت كل حياتها في خدمة الإنسانية، بل لعل معظم تلك السنوات كانت في ريادتها بالعمل في الإمارات.