البصرة واحدة من أقدم المدن العربية التي بناها العرب عندما قرروا نشر الإسلام في إيران وآسيا، وكانت معقلاً لجيوشهم ومنطلقاً لها ومعسكراً لوجستياً. وفي البصرة أول ثورة للزنج عرفها تاريخ العرب، والبصرة أيضاً مدرسة نحوية كما الكوفة، وفيها ظهر أول النحويين، وهي مدينة الشعراء والخليل والفراهيدي وعقبة بن نافع وغيرهم. هي فينوس الشرق وأجمل مشتى.وللبصرة تاريخ حضاري وسياسي مؤثر، إلا أن ما يميز البصرة أيضاً أنها عرفت ببساتين النخيل على جانبي شط العرب والأنهار المتفرعة منه، وكان يقال إن فيها نحو 40 مليون نخلة، وقد بلغت أنواع التمر وتصنيفاته نحو 780 صنفاً كان متحف التاريخ الطبيعي في جامعة البصرة يعد موسوعة متكاملة وكان أردأ هذه الأصناف «اليهودي»، أما أجودها فهو «البرحي».

انفردت البصرة عبر التاريخ باحتكارها للبرحي، ولم يكن مسموحاً لأحد بتصدير البرحي إلى الخارج أو بيع فسائله، ويشاع أيضاً أن اليهود العراقيين المهاجرين إلى فلسطين بعد عام 1948، قد حنوا وأشاروا إلى ضرورة سرقة فسائل البرحي من البصرة وزرعها في إسرائيل، وقد قام الموساد الإسرائيلي بتهريب فسائل البرحي سراً عن طريق إيران، وقد اعترف الموساد لاحقاً بهذه المغامرة.

المفارقة الغريبة، أن البصرة خلت من النخيل الآن، ولم يعد فيها ولا مليون نخلة، كما أن البرحي فقد من بساتين شط العرب، واخذ ينمو ويترعرع في إسرائيل ودول أخرى، ولعلنا هنا نشكر يهود العراق بألم شديد، على رعايتهم لنخلة البرحي، كما نشكر دولاً أخرى على اهتمامها بالبرحية، بعد أن أساء العراقيون إلى نخلتهم وقتلوها عمداً، مع سبق الإصرار وخلال الحملة الشنيعة التي قادها النظام السابق، بحرق نحو 20 مليون نخلة في يوم واحد. ثم فتح ماء البزل على البساتين، لإحالتها إلى برك آسنة مالحة، حتى لا يعاد زرعها، مثلما وجهت دول الجوار نفايات مجاريها وبقايا مصانعها ومخلفات مصانع تكرار النفط إلى شط العرب، وتحويل روافد الشط عن مصباته الطبيعية، ليصبح الشط غير صالح للشرب أو لسقي المزروعات ويتحول إلى مجمع للبكتريا والنفايات. الأمر خطير جداً، فالبصرة ستعلن مدينة منكوبة بيئياً، بعد أن كانت مدينة سياحية متميزة، بناء على تقرير منظمة الصحة العالمية.

غاب البرحي بعد أن كانت العجيراوية على شط العرب أهم مناطق زراعته في العالم، والتي كانت الأغاني العراقية تتغنى بها:

كهرب يا خلال عجيراوي.. كهرب

متغاوي بحسنك متغـاوي.. كهرب

لا أستثنى أحداً من مسؤولية الدمار، لا السلطة السابقة ولا اللاحقة الآنية، ولا دول الجوار، بل ولا أهل العراق وخاصة أهل البصرة، الذين رحل معظمهم عنها، بعد سلسلة من الحروب والدمار والاضطهاد.

ترى من سينقذ البصرة؟

ومن سيعيد لها رونقها وحيويتها وجمالها، ومن سيعيد زراعة البرحي فيها؟!