من السهل جداً أن نُبكي المُشاهد، سواء في المسرح أو في السينما أو في التلفزيون، إلا أنه من الصعب أن نُضحك المشاهد، كما أن قوانين الكوميديا صعبة للغاية، وجعلوا شعرة واحدة بين الكوميديان والمهرج، وطلبوا من ممثل الكوميديا أن يحافظ على الشعرة ولا يقطعها. إن في القرن الفائت (الـ20)، عدداً كبيراً من أعلام الكوميديا على مستوى الفن العربي والعالم.
ويعد شارلي شابلن.. فيلسوف الفيلم الأميركي على مستوى العالم وعبقري القرن العشرين، فهو مفكر من الدرجة الأولى، وساخر بكل قيم المجتمع الرأسمالي بعد أن عرّى كل أنظمته ومؤسساته، لقد كان مؤسسة تجمع كل أطراف العمل من التأليف والإخراج والموسيقى والتمثيل وما يتطلبه الفيلم، ومثل فناناً لم يُعرف بديلاً له ولفنه.
وفي السينما الإنجليزية نورمان ويزدم، فهو ساحر من نوع آخر، وناقد لكل وسائل الإنتاج التي سخرت الإنسان وطوعته لخدمتها، واتسم بأنه خفيف الظل على الشاشة ولا يحتاج إلى حوار بقدر ما تفهمه من خلال حركته الدلالية، ويمنحك الدهشة تلو الأخرى حتى تنهي الفيلم وأنت في انتظار دهشة الشارع الذي ستحل به، فيعيش معك حتى بعد سنوات.
غير أن العرب في القرن الماضي حققوا تقدماً لامعاً في فن الكوميديا، فبرزت أسماء مهمة، أمثال: ماري منيب.. وهي امرأة عجنت وطحنت وعاشت الكوميديا حتى اللحظة الأخيرة وهي تموت فوق خشبة المسرح، بعد أن أسعدت الناس.
وتوفيق الدقن.. شرير.. كوميدي.. خفيف الظل والدم حتى وهو يحيك المؤامرة ويتاجر بالممنوع.. له اسم وشخصية وأداء متميز. وعبد المنعم مدبولي، الذي لا أجازف في الكتابة عنه.. فهو أكبر من أن أكتب عنه أسطراً محدودة.. إذ يمثل عالماً واسعاً من الفن والعطاء والإنسانية.
وهناك زينات صدقي.. فنانة تجعلك تضحك بدلاً من أن تبتسم، خاصة حين يصادف أن تشارك زميلها المبدع الكبير عبد السلام النابلسي، فيشكلان قطبين مغناطيسيين من الصعب أن تنجو من أحدهما وأنت تغسل همومك بالضحك من القلب.
ويوجد عدد كبير لا تتحمل هذه الزاوية سوى ذكر بعضهم، مثل: شكوكو، عبد الفتاح القصري، رياض القصبجي، شرفنطح، فؤاد المهندس، حسن فايق، شويكار، بشارة واكيم، علي كسار.
إلا أن ما يميز معظم سنوات القرن العشرين، وجود نجمين مهمين: نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين. وأما الأول فكان مع زميله بديع خيري يشكل قاعدة انطلاق لفن كوميدي متميز، وهو مسجل لهما دون منازع سواء كان على المسرح أو الشاشة الفضية.
وأما إسماعيل ياسين.. فلعلنا ظلمناه، لأننا لم نتعرف تماماً دوره، ولرفض الكثير منا لمدرسته، حيث اتهمناه أحياناً وظلماً بالتهريج، إلا أنني الآن، وفي العودة لمشاهدة أعماله السينمائية، أتلمس كم كان النقد قاسياً، وكم كان ظالماً، وجاهلاً لدور فنان قد يشكل واحداً من أعلى قمم فن الكوميديا، لا يقل عن دور عمالقة هذا الفن، بل يقف في مصافهم، وأحياناً في قمة أعلى وأرفع، وهو صاحب مدرسة سجلت باسمه.