بعد غياب دام ثلاثة عقود ونيف، وقفت أمام تمثال بدر شاكر السياب، وأبصرت من حولي وحوله من قمامة ودمار وفقر ومرض وتخلف، وأدركت كم أن السياب قد ظلمته الأحزاب قبل السلطة الحاكمة في الدولة، واتهمته بالخيانة، بينما كان أكثر منا وعياً حينما رفض مناهج ورؤى كل الأحزاب بيمينها ويسارها وكل التكتلات ومغريات السلطة واختار العراق فتعاون عليه الأصدقاء قبل الفرقاء وذبحوه من الوريد حتى الوريد ليسكتوا صوته الذي فضحهم.

ومنذ كنا صغاراً.. كانت السماء

تغيم في الشتاء ويهطل المطر

وكل عام .. حين يعشب الثرى نجوع

ما مر عام والعراق ليس فيه جوع

بل إنه استشرف المستقبل استناداً إلى الواقع الذي عاشه السياب وخاب أمله فيه وفي مستقبل بلاده.

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق

ومن زهرة يربّها الفرات بالندى

لم تكن البصرة حينما زرتها نهاية أغسطس الماضي هي بصرة السياب، ولا حلمي الذي حملته عشرات السنين في انتظار لحظة العودة.. لطمني الغزاة والجهلة والسراق والحاقدون على المدينة، والمتطفلون عليها، وحاولوا خنق صوتي كما خنق أسلافهم صوت السياب، إلا أنني حاولت الصراخ مسترجعاً صوت السياب.

غنيت تربتك الحبيبة

وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه

كلنا ظلمنا السياب، ولم نكن بحجم وعيه، كل الأحزاب اعترضت مسيرته وحاصرته بعد أن رفضها لأنه لم يستطع أن يستوعبها أو تستوعبه ووجد فيها شيئاً لم نتأكد منه إلا بعد خراب البصرة، ترى أي مسافة تفصلنا عن هذا القروي أبن جيكور الذي استشرف مالم نتوقعه فحل الدمار في أرض ما كان لها أن تخرب بمثل هذا الحجم من الدمار:

فالليل جاء وما أزال

مستوحداً أرعى القبور وأنفض الدرب البعيد

هل رثى السياب نفسه أم رثى العراق، أليس الأحرى أنه اخترق في رؤيته عوالم الشعر فأدرك ما سيصيب المدينة من دمار ويتم لابناء السندباد الذين أصبحوا يتامى في عصر أنكر الشارع السياب والسندباد وابناءه الذين عادوا وفقد شط العرب مداه وجماله وكأنه يصرخ مع تمثال السياب الحجري الذي ينتصب عند تخومه

أطفال أيوب من يرعاهم الآنا

ضاعوا ضياع اليتامى في دجى شات

يا رب أرجع إلى أيوب ما كانا

جيكور والشمس والأطفال راكضة

إلا أن الخراب لا يزول بالشعر، إنما يزداد الشاعر الإنسان بالخيبة والحسرة والإحباط واللا أمل.. فلا يزال يصرخ في محيطات الكون فلا أحد يسمع توسلاته واستغاثاته وآماله .