جيلي عاصر أعلاماً وقمماً في كل مجالات الحياة، أذكر منهم عزيز علي الذي يصادف هذا العام مئوية ولادته، كان عزيز أشهر مونولوجست سياسي عرفه العرب، ظلت مقولاته حتى الآن أمثالاً وهي حية يمكن إسقاطها على كل فترة.

ياناس مصيبة مصيبتنا

نحجي تفضحنا قضيتنا

نسكت تكتلنا علتنا

بـس وين نــولي وجـهتنا

دلينه يا دكتور

كانت لعزيز علي مساجلات ومداخلات مع نوري السعيد باشا رئيس الوزراء العراقي الأسبق والأشهر في تاريخه السياسي.

كان عزيز ينظم المنولوجات بنفسه وهو يسقطها على الأوضاع العامة وكذلك الحكومة ورئيسها نوري السعيد.

كل أربعاء كانت إذاعة بغداد تقدمه إلى جمهورها بحفل حي على الهواء، ذات يوم دخل عليه الباشا وهو في استوديو الإذاعة وحينما انتهى واجهه نوري السعيد بعدم الرضا قائلاً: "أنت شدعوه هلكد متشائم، داتبجيّ الناس بها الحجايات، يكفي تشاؤم مضت علينة أربعمئة سنة واحنه نبكي". ثم أردف قائلاً "لك أنت شنو شغلك" فأجابه عزيز: "باشا أنا موظف بالكمرك، فقال الباشا .. وي وي جمالة موظف بالحكومة وتحرض الناس بها الشكل".

أخذ الباشا كل أوراق عزيز وخرج غاضباً من إذاعة بغداد واستدعاه في اليوم الثاني إلى مكتبه في مجلس الوزراء وحاوره بل حقق معه بشكل حضاري وأفهمه أنه يدرك المعاني التي يقصدها في مونولوجاته.. ثم سلمه أوراقه التي أخذها منه.

يقول الدكتور مصطفى جواد عن علاقة نوري السعيد بالمونولوجست عزيز علي ان الباشا كان يسمعها إعجاباً إلا أنه كان يدرك أن المقصود بها هو وحكومته ومجلس الأعيان والنواب.

بعد ثورة يوليو 1958 استعانت به وزارة الثقافة العراقية وأسس مدرسة موسيقية متخصصة للأطفال وأدارها وكانت من المشاريع الفنية التربوية الناجحة والتي خرجت المئات من الموسيقيين الذين تعرفوا على الموسيقى وهم ما زالوا في سن التاسعة والثامنة.

بعد انقلاب 1968 ومجيء سلطة البعث، سجن عزيز علي بتهمة انتمائه إلى الماسونية، وقضى في السجن عامين، أطلق سراحه لأسباب صحية وإنسانية فقد كان قد تجاوز الثمانين من عمره وكان في حالة صحية سيئة.

مات عزيز علي عام 1998، دون أن يؤبنه أحد أو يكتب عنه، فقد كان مهملاً في الحياة يعيش على أطرافها بعيداً عن السياسة ومشكلاتها وأضوائها، بموته مات المونولوجست السياسي الذي كان بلا شك نافذة نقدية للساسة وسلطات الحكم والحكام.