محمد مهدي الجواهري شاعر العرب في القرن العشرين، أسطورة لابد من مراجعتها والتأمل في مسيرتها، لم يكن شاعراً ومبدعاً فحسب، بل كان ظاهرة حياتية قل أن تتكرر. جاب الدنيا شرقاً وغرباً، ولم تغب عن ذهنه بغداد ولو لحظات.

فاز الجواهري بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، أو بالأحرى فازت الجائزة باسمه وسمعته، وعطرت تاريخها بتاريخه، فكم من حكاية ما زلنا نذكرها منذ عام 1992، وحتى اليوم .

بعد حفل التكريم كان للجواهري وللمسؤولين في مؤسسة العويس رغبة في أمسية شعرية استثنائية إلا أن المكان كان إشكالية تلك السنوات، فما من قاعة تستوعب صوت الجواهري ولا جماهيريته التي زحفت إلى القاعة المغطاة للنادي الأهلي في دبي بعد أن تم اختيارها لسعتها ولاستعداد اللجنة الثقافية فيه التعاون مع المؤسسة.

بعد ظهر اليوم المخصص للجائزة استنجد الدكتور كفاح الجواهري نجل الشاعر بنا بعد أن أغمي على الجواهري وذهب في غيبوبة غير متوقعة هرع الصديق الدكتور نوري الصكيان، وبصحبته مجموعة من الأطباء المتخصصين إلى جناح الجواهري في فندق الهوليداي انترناشيونال في الشارقة، وأسعفوه بما يمكن أن يسعف مريض بعمر الجواهري الذي كان قد تجاوز عقده التاسع بسنوات واقترب من المائة، وأوصى الأطباء بضرورة الراحة التامة وعدم السماح له بترك السرير مهما كانت الضرورات. كنا في النادي الأهلي بحالة لا نحسد عليها، الجواهري بغيبوبة في الفندق بالشارقة، وجماهير تجاوزت بضعة آلاف واقتربت من العشرة تنتظر طلة آخر عمالقة الشعراء العباسيين في بغداد.

استنجدنا بالشاعر جعفر الجمري، وظل يتحدث تارة وتارة يلقي من قصائد الجواهري وأخرى من قصائده وقد تجاوزنا الوقت المحدد فجأة رن هاتف النادي الأهلي، كفاح الجواهري يعلن أن والده هب فجأة من الفراش، واستعجل ولده بارتداء الملابس وزجره حينما رفض تلبية الطلب وصرخ في وجه ابنه.

- ولك الموت واحد. أموت بين الناس اللي يحبوني أحسن ما أموت على هالسرير.. ولك الناس تنتظرني .. عيب أتأخر عليهم.

بعد هذا الحوار بدقائق .. دخل الجواهري بقامته الممشوقة ولاطيته المتميزة.. وصعد على المنصة واشتعلت الصالة بتصفيق مالا يقل عن عشرة آلاف نسمة يحيون الشاعر الذي رفض الموت وبدأ قراءاته دون ورقة منشداً

حييت سفحك عن بعد فحييني

يا دجلة الخير يا أم البساتينِ

ظل الجواهري واقفاً على المنصة ينتقل من قصيدة إلى أخرى، ومن ترتيل إلى إنشاد طيلة 150 دقيقة لا أذكر أن شاعراً استطاع أن يحقق ذلك بتجاوز الموت وقد بلغ المائة عام من عمره .. رحم الله أبا فرات.