ليست المرة الأولى التي أتناول موضوعاً حساساً وحيوياً في حياتنا الثقافية، ولست الوحيد الذي تعرض لهذه الإشكالية في استمرار ربط الرقابة بالكتاب الورقي دفعني هذه المرة للكتابة عن رقابة الكتاب أن أرسلت عبر مؤسستي الثقافية التي أعمل بها مجموعة من كتب النقد الأدبي والدراسات إلى أستاذ جامعي في بلد عربي يدعي أنه ديمقراطي وحضاري وثوري غير أن الكتب لم تصل إلى الزميل الأكاديمي الذي يحتاج هذه المجموعة من الكتب في بحثه العلمي وفي تدريس مادته الأدبية النقدية.
وظل طيلة ثلاثة أشهر يتنقل كل يوم ما بين جمارك مدينته ووزارة الإعلام والثقافة وطلب منا شهادات واعترافات بأن الكتب ليست للبيع ولا للتداول ولا تحتوي على هيروين ولا حشيش ولا حتى أبسط أنواع المخدرات وتشكل لدى الأستاذ ملف ضخم لطلبات الوزارة المتخصصة بالثقافة وجمارك مدينته، ثم تدخل معنا على الخط رئيس الجامعة، وعميد الكلية، وأساتذة من خارج الكلية وأصدقاء، وأقسموا بكل المقدسات أن الكتب ليست للبيع ولا للتداول ولا تحتوي على مخدرات من أي صنف، وأنها للعمل الجامعي فقط.
مسؤول الجمارك قال بصراحة شديدة لا أسمح لها بالخروج لأنها كتب لو كانت مواد أخرى أو كانت مخدرات أو سموم لسمحت لها ولأنتهت الإشكالية، رقيب الوزارة حمل سيفه وسلطه على الكتب واقسم ألا يسمح للكتاب بالخروج من سجنه إلا بعد أن يمر على كل الكلمات والسطور ثم يعرض الكتاب على فريق من الكلاب البوليسية خشية أن تكون الأفكار قد أخفيت بالسر بين الكلمات وقد دربوا كلاباً تستطيع اكتشاف ما لم يكتبه المؤلف فوق الورق واحتفظ به بذاكرته.
هذه رقابة لا تعطينا بعداً ثقافياً، لأننا اليوم لا نستطيع أن نحصر رقابتنا على الكتاب السيار لأن الفضاء مفتوح على مصراعيه أمام من يريد أن يسبح في فضاء الدنيا دون رقيب ولا حسيب، ثورة الاتصالات والتكنولوجيا ألغت مهمة الرقيب، وكسرت قلمه الأحمر، وحولته إلى أجندة التاريخ، إلا في الوطن العربي، ظل يمارس لعبته، ويبث سمومه، ويمنع ويقطع ويزمجر ويكشر عن أنيابه التي نخرتها السوسة.
ما زال صديقي الأستاذ الجامعي منذ ثلاثة أشهر يحاول إطلاق سراح الكتب، وترفض الجمارك إعادتها إلينا، أو تسليمها له وقد أنذرت صديقنا بأنه قد ترتب عليه مبلغاً من المال بالدولارات نتيجة بقاء الكتب في مخازنها، وهذه ضريبة أخرى على الكتاب، بعد أن ضاعفت دوائر البريد أسعار الطوابع التي تلصق على المطبوعات بعد أن كانت هذه الدوائر تمنح الكتاب تخفيضاً بنسبة 50% عن الرسائل العادية.
الكتاب متهم ومطلوب من الجمارك، ومحاصر من البريد، ومغضوب عليه من الرقيب.