ترك بصماته على الحياة الثقافية تحديداً حتى بعد رحيله فهو علَم متعدد المواهب، ثري، وفي المحصلة النهائية نقول عنه السقاف الإنسان الذي كان شعلة وهاجة ظلت تنير حتى بعد رحيله في الرابع عشر من أغسطس عام 2010، عن عمر يناهز التسعين عاماً إذ كانت ولادته في ديسمبر عام 1919.
لا أريد أن استعرض شعره أو كتاباته، أو حتى حياته فيمكن لغيري أن يتناول هذه الجوانب الحيوية للراحل، إنما أردت أن أورد حكاية قرأتها عنه تشي بتميزه حتى وهو ما زال طالباً يذكر الدكتور خليفة الوقيان في مقدمة تصدرت مجموعة مختارة من أشعاره حكاية طريفة إنما تعبر عن عمق تأسيس الشاعر أحمد السقاف وتميزه المبكر.
في الثانية عشرة من عمره حفظ القرآن الكريم، وكذلك ألفية بن مالك ثم ابتعث صغيراً إلى بغداد للتعلم بمدارسها، ويذكر صديقه الشاعر حارث طه الراوي، أن المدرس قد طلب من طلابه إعراب بيت البحتري
لو تراه علمت أن الليالي
جعلت فيه مأتماً بعد عُرسِ
وبدأ الأستاذ يعرب كلمات البيت الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصل إلى كلمة (بَعْدَ) فقال :
ظرف زمان مبني على الفتح
فاعترض الطالب السقاف الذي كان يحفظ ألفية ابن مالك وقال لأستاذه، انك أخطأت الاعراب، بَعْدَ ظرف زمان منصوب ولا يمكن أن يكون مبنياً اعتماداً على ابن مالك، فغضب المدرس واشتكاه إلى مدير المدرسة الذي اضطر لإحضار أحمد السقاف بحضور العلامة صادق الملائكة والد الشاعرة نازك :
قال له المدير: كيف تقاطع أستاذك وتعترض عليه.. هل أنت أكثر فهماً منه:
فما كان من الطالب أحمد السقاف أن شرح الأمر بهدوء أمام صادق الملائكة، الذي كان مبتسماً اعتزازاً بنباهة هذا الطالب وذكائه، وتدخل ما بين الإدارة والمدرس والطالب وطلب من السقاف أن يعود إلى الفصل بعد أن شكره على ذكائه ونباهته، وطلب من الأستاذ أن يرجع إلى المكتبة لمراجعة ألفية بن مالك ومصادر أخرى لتؤكد صحة ما ذهب إليه الطالب أحمد السقاف.
يقال.. إن الأستاذ عاد إلى الفصل، وأثنى على أحمد السقاف وشكره، وحياه لشجاعته ولعلمه.
لعل هذه الحكاية تعطينا دلالة واضحة لما كان عليه السقاف من ثقة عالية في نفسه، وإتقاناً للغة بكافة علومها، وشجاعته في الاعتراض حينما وجد أن الحق في الاعتراض، وقد بادر أحمد السقاف في إصدار أول كتاب له عن اللغة بعنوان (المتقضب في معرفة لغة العرب) عام 1950، والذي كان يحرض في هذا الكتاب وفي منهجه الذي وضعه لنفسه في الحفاظ على اللغة والدفاع عنها والتصدي لكل من يحاول أن يشوهها.