رغم أن لبغداد في ذاكرة مظفر النواب من شجن، وموت، وسجون، لكن العشق يتجاوز كل المحذورات، وتبقى بغداد هي المعشوقة التي يموت عند تخومها الشاعر الإنسان.
(وبغداد هي الأم.. ورعشة نهر على وجه سيدة،
علمتني أفكر كالعشق..)
بغداد مسقط رأس مظفر.. وساحات صباه.. يحن لها رغم أنه غادرها منفياً ولسان حاله يقول :
(كم منزل في العيش يألفه الفتى.. وحنينه أبداً لأول منزل) لقد أمتاز النواب وهو يذكر مدينته العريقة، بأنه يبدو قاسياً لا انتقاماً ولا ثأراً ولا خيانة.. إنما عشقاً كما العاشق يقسو في علاقته مع الحبيبة.. فيجعلها قريبة من شغاف القلب.. بل هي القلب.
(ويخرج من جيبه الكهل ممحاة
لم يبق منها سوى أثرٍ
يمسح الحاضرين الذين بلا ذكريات..
ويحضرنا.. واحداً.. واحداً..
ثم يقول وممحاته لم تزل.. تمسح الحاضرين
وتوشك أن تمسح بغداد..
لولا عبادته للبيوت.. ومدرسة الفيصلية.. والآنسات الصغيرات.. والناس)
هو الابن ببره وعشقه، رغم أن الوطن قد اغتاله يوماً ما
(عشقتني بالخنجر.. والقتل بلادي)
لكن النواب يعشق (جسر الكرخ.. لا يعشق جسر الدانوب)
أما البصرة والتي هي أول أمصار العرب بعد الإسلام بنيت لتصبح نقطة انطلاق.. ومنعطفاً للتاريخ الإسلامي.. ومنها انتقل العرب من البداوة للحضارة.. هي ليست وجداناً لمظفر فحسب بل كانت لقبله وبعده من الشعراء، بل هي ضمير أمة.. ومنها أخرجت الأساطير.. والأسفار ومنها سفر النواب من خلال قصيدته »جسر المباهج القديمة« هنا يصبح مظفراً ربان سفينة مبحرة في وسط عاصفة بحر هوجاء.. والربان يريد مرافئ نجاة له..
(أين البصرة.. مشتاق.. بوصلتي تزعم عدة بصرات..
وأمام كل المستحيلات ومع إصرار السندباد يؤكد النواب
(أحمل كل البحر.. وأوصل نفسي
أو تأتي البصرة.. إن شاء الله
بحكم العشق وأوصلها)
ولكن مظفر يجمع ما بين تراب العراق في البصرة.. وبغداد.. ولا يجد بينهما وبين العراق إلا التوحد والتجذر.. فهما العراق.. والعراق أمام النواب قريب بعيد.. قريب إلى القلب أقرب من الروح.. وبعيد في مداه الذي لا مدى له..
(لماذا العراق بعيد.. وكل البكاء هنا..
لا تزال كما كانت الخربشات.. على حائط الذكريات
ودرب صغير يهيم إلى بيتنا.. )
وعاد مظفر النواب أخيراً إلى وطنه.. لعلها رحلته الأخيرة.. كما فعل من قبله سلفه السندباد..
(فوصلنا بالمركب إلى البصرة.. ونزلنا فيها.. وسافرنا منها إلى بغداد.. دار السلام).