لم يكن صديقاً لأحزن عليه، وإنساناً فأذكره بإنسانيته، هو كل الصفات اجتمعت في رجل معاصر، حتى اعتقد أنه آخر النبلاء الذين عاشوا في مجتمعنا المادي، هو نموذج لاختلاط الدم والولاء والمرجعية، فعائلة النقيب واحدة من أهم الأسر العريقة والنبيلة في البصرة.

 

والتي اضطر الكثير من أفرادها للهجرة إلى الكويت مثلما هاجرنا نحن البصريون إلى دول الخليج، وقد احتضنتنا هذه الأوطان الكريمة خاصة ونحن امتداد جغرافي وتاريخي ومصيري لها.

 

لن أتكلم عن رحيل خلدون النقيب، سينقطع صوت الهاتف منذ الآن بيننا، إلا أن صوته يظل يعيش في ذاكرتي، وتظل الشخصية الفذة المتميزة هي التي تحل على خواطرنا باعتبارها حية، خاصة وأن الراحل أحد أهم المفكرين العرب الذين أسسوا مدرسة خاصة في الفكر وعلوم الاجتماع.لقد تحدثوا عن علمه كثيراً، وأشادوا بدراساته وأبحاثه، إلا أنني يهمني الصديق وشخصيته.

 

حينما نذكر عائلات العراق النبيلة والأصيلة خاصة في مدينة البصرة تبرز عائلة النقيب واحدة من أهم هذه العائلات التي لعب رجالها بوطنيتهم بتاريخ العراق المعاصر خاصة مع بداية القرن العشرين وسقوط الدولة العثمانية.

 

ولأني بصري المولد والانتماء فأنا أعرف تماماً هذا الدور الإيجابي الذي لعبه الرجال المخلصون من أجداد خلدون الذين ورث عنهم هذه الخاصية كما ورث عنهم طيبتهم وتواضعهم وعدلهم، ولعلي هنا أسميه النبيل البرجوازي الأخير الذي رحل وإن دافع كل حياته عن المسحوقين والمظلومين.

 

وهو واحد منهم حين شعر بالظلم عند رحيل والده إلى الكويت ومن ثم العديد من عائلته ثم عوائل عديدة وأشخاص كثر يمثلون البنية البشرية لمدينة ما عرفت إلا بالطيبة والأخلاق والكرم.

 

وقد ورث كل تلك الصفات ليصبح النموذج الذي كنا نتباهى به في علمه وخلقه وتواضعه، ورقته، وكرمه، وإخلاصه وانتمائه للوطن الذي عاش فيه مثلما لم ينكر الوطن الذي جاء منه، معادلات صعبة حققها خلدون.

 

وكنا نجده المثال في كيف يمكننا أن نخدم الأوطان التي ضمتنا ومنحتنا الحب والأمن والأمان والخبز حتى لم تنطبق علينا مفاهيم الغربة أو الاغتراب، وأصبحنا مثلما أصبح هو جزء من النسيج الحياتي الاجتماعي اليومي.

أنا أدرك أن عمر الزهرة قصير.

 

والفراشات لا تعمر

وخيوط الفجر لا تبقى كثيراً في سماوات الكون

وأدرك أيضاً أن خلدون النقيب سارع في الرحيل.. غير أني لا أجد قدرة على رثائه، مع إيماني بقدرته سبحانه وتعالى.. وبأننا ضيوف على هذه الدنيا.

اسمح لي أخي خلدون.. إن دمعة حزن لا تكفي في زمن استسهل الرجال دموعهم ومواقفهم، وأبيت إلا الرحيل

يا خلدون.. أمل دنقل يقول:

«كل الأحبة يرحلون

وسيتبعك أحبة وأحبة»

وسنرحل ذات يوم..

ربما قبل أن نلملم أوراقنا الأخيرة.. مثلما فعلت.. واستعجلت الرحيل.