أحمد الصافي النجفي مثل معظم شعراء العراق، لم يستوعبه الوطن، ولم يستقر على ترابه، رغم انتمائه وتجذره وحبه، ورغم غنى عائلته، ووالده على الخصوص، فقد فضل العيش زاهداً في المأكل والملبس والحياة، يقال إنه لم يكن يملك غير «طقم» واحد من الملابس يضطر ألا يخرج من داره عندما يغسله في انتظار جفافه.
أحمد الصافي النجفي من رواد عصر النهضة العربية، ولد عام 1897، في النجف، وتعلم فيها علوم الدين والفقه، وعلوم اللغة من صرف ونحو وبيان ومنطق، وكافة علوم الأدب وتاريخه، وأتقن اللغة الفارسية أيضاً. تفجرت شاعريته وهو في السابعة عشرة من عمره، وأسهم في ثورة العشرين، واضطر إلى الهرب إلى إيران،.
وعاش في طهران، وأصبح أستاذاً للأدب العربي في مدارسها الثانوية، ومارس الكتابة في أمهات الصحف الإيرانية، وهو الشاعر الذي أتقن العربية والفارسية معاً، فترجم رباعيات الخيام، والتي تعتبر من أجود الترجمات، وتوازي ترجمة أحمد رامي وتقف بمصافها.
كل ذارت هذه الأرض كانت
أوجهاً كالشموس ذات بهاء
أجل عن وجهك الغبار برفق
فهو خد لكاعب حسناء.
والنماذج على إتقانه لترجمة الخيام كثيرة، وهي منشورة بديوان كامل.
الفجر لاح فقم لنا يا صاح
واملأ زجاجك من عقيق الراح
فزمان أنسك إن يفت لم تلقه
وتظل تنشد ساعة الأفراح
لم يستطع الاستقرار في العراق، فبعد هروبه بعد ثورة العشرين عاد عام 1927 إلى بغداد، ولم يستطع العمل لسوء صحته، فسافر إلى دمشق، ووجد فيها راحته النفسية والجسدية، ووجد ترحيباً من الأشقاء السوريين، إلا أنه جعل من بلاد الشام بلداً له، فقد ظل متنقلاً ما بين دمشق وبيروت التي عشقها أيضاً، وقد زهد في ملاذ الحياة، وتفرغ للشعر متمتعاً بجمال طبيعة الشام.
أحمد الصافي النجفي أحد أعمدة رواد حركة النهضة العربية، وكان أحد أعلام الشعر في الربع الأول من القرن العشرين وحتى بداية الربع الأخير منه، وقد حرص على نحت قصائده مؤكداً على روعة المعاني وعمقها، وسلاسة ألفاظها، ورقة الصياغة، ونبل العاطفة والإحساس بشعور المحرومين، وهو منهم، بعد أن ترك وراءه غنى الوالد، وفضل الزهد في عيشه، وقد تناول في شعره المسحوقين والمهمشين من البشر، يقول في قصيدة عن ماسح الأحذية:
قلت أحبوه درهماً غير أني
خفت من أن يذله إكرامي
ثم بادرته بما ضمّ جيبي
من نقود أعددتها لطعامي
غادر أحمد الصافي النجفي الحياة ببيروت عام 1977، مخلفاً لنا إرثاً شعرياً لم تتم دراسته بما ينبغي أن يكون عليه شاعر كالنجفي.