يصر العديد من المنظرين المتطرفين في الأدب والفن على آرائهم وتوقعاتهم وكأنها حتمية الوقوع دون النظر إلى الأمر الواقع، ويتنبأون بانتهاء الشعر والمسرح والقصة القصيرة وغيرها من الأجناس الأدبية.وبالرغم من إعجابي وحبي للرواية وأقرأ لروائيين عرب وأجانب، إلا أن ما أستغرب له إصرار بعض المنظرين على إبقاء زمن الرواية فحسب، وباستمرار نجد عناوين كبيرة تنجم عن موت الإبداع للأجناس الأخرى.
انتهى عصر الشعر!!
موت وتراجع المسرح!!
لم يعد للقصة القصيرة مكاناً.. أو أن بعضهم يدعي الاستغناء عنها كجنس، أدبي.
وهكذا فالقانون الظني ينطبق على الفنون الأخرى، والواقع أن هذا التنظير السوداوي يأتي بالغالب من نظرة بطريقة فوقية على الأجناس الأدبية الأخرى، وعلى مجمل إبداع الأجيال اللاحقة، ليتأكد في المحصلة النهائية أن مبدعي العقود الماضية هم الأكثر حظاً في الإبداع.
لا أعتقد أنني اختلف في مجمل النظرة الإجمالية عن إبداعات الأجيال السلفية في كل الأجناس الأدبية والفنية.. وعملقة رموز تلك العقود، ووصولهم إلى قمم الإبداع بعد أن تجاوزوا كل التقييمات التقليدية والنظريات النقدية ليحتلوا مركزاً متقدماً في سلم العملقة.
ولكني أتساءل.. ألم يبدأ العمالقة شباباً يحاولون أن يحققوا ذاتهم ويؤسسوا لمستقبلهم الذين وصلوا إليه، ترى أليس من حق الأجيال التي تلي أن تقدم تجربتها وإبداعاتها بما يتفق مع عصرهم ونبض الحياة، وتطورات أدوات الإنتاج والمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
هل نلغي امرؤ القيس بعد أن سطع نجم المتنبي، أم هل ننكر الجواهري والبردوني وأدونيس ودرويش، ونظل نعتز فقط بأجيال السلف مع كل إعجابي وتقديري لهم.
النظريات تقول انتهى عصر الشعر، لكن الواقع لا يقر هذه النظرية مع كل هذا العدد الكبير من الشعراء الشباب، ولا ندعي أنهم بلا تجربة تأسيسية لأننا حينما نطالع بعض نتاجهم نعتز بها ونطرب لإنتاجهمتراجع المسرح أمام فنون درامية أخرى، لكنه لم يمت ما زالت الحياة تجري في عروق الشباب، مهرجان المسرح العربي في بيروت دليل عملي فإلى جانب العروض المتميزة كانت هناك عروض هزيلة، ولا نستطيع أن نوازي ونساوي بين هذا وذاك، هذا يعني أن المسرح ما زال حياً ومنتجاً ونتاجات الشباب توعد..
أما القصة القصيرة التي يريدون موتها لحساب الرواية أيضاً فهي جنس لا يمكن الاستغناء عنه، والواقع أيضاً يشي بغير ذلك فعدد المجاميع القصصية التي تصدر كل عام تفوق عدد الروايات.
أنا أحب فن الرواية.. لكني لا أميل إلى إلغاء الأجناس الأخرى لحساب عصر الرواية، ليكن للقصة والمسرح والشعر والرواية عصراً، كل له عصره وزمنه الآتي، دون تقاطع أو إلغاء.