لم أعرف إلا مؤخراً أن للخليفة العباسي هارون الرشيد، أخاً مطرباً، ملأ الدنيا بغنائه وموسيقاه. إبراهيم بن المهدي، الأخ الأصغر لهارون الرشيد، ولد في بغداد عام ‬779م من أم عرفت بإتقانها ومعرفتها للموسيقى وبعزفها على العود وشهرتها في الغناء، لذا فقد حرصت على تعليم أبنها إبراهيم فنون العزف والغناء فاستطاع أن ينهل من الثقافة الموسيقية ما جعلته في مقدمة الموسيقيين في عصره.

الطريف أنه ابن الخليفة المهدي، وعلى الرغم من ثقافته وعلمه بالموسيقى وشغفه بالغناء فإنه سعى لأن يصبح خليفة مستغلاً الخلاف بين الأمين والمأمون عام ‬817، ولكنه لم يفلح في ذلك، خاصة وأن المأمون كان قوياً وشرساً فلم يستطع أن يصمد أمامه. فر إبراهيم المهدي من بغداد بعد انتصار المأمون، إلا أن عسس الخليفة ألقوا القبض عليه وأودع في السجن، إلا أن المأمون عفا عنه وأطلق سراحه. ترك أحلامه في خلافة المسلمين واتجه إلى الموسيقى وفنونها واحترف الغناء، وعاش حياة بوهيمية النزعة، وكان يقرض الشعر ويلحنه ويغنيه. جدد إبراهيم المهدي بالموسيقى العربية وأدخل عليها نفحات فارسية متمشياً مع الزمن الذي كان يمثله.

وهذا ما جعل بعض الاتجاهات العربية في الموسيقى تتصارع مع اتجاهاته، خاصة من كان يتبنى مدرسة أسحاق الموصلي، ذات السمات العربية التقليدية القديمة. أي أنه حاول تحديث الغناء والموسيقى وإن يخرجها من أطرها التقليدية.

كان إسحاق ابن إبراهيم الموصلي من مواليد عام ‬767م وقد قدمه والده إلى مجتمع بغداد ليصبح أحد أشهر المغنيين فيها، والمنافس لإبراهيم المهدي بل والمغاير في أسلوبه وطريقته فقد كان إبراهيم الموصلي وولده إسحاق يمثلان أصالة الغناء العربي القديم، ويرفضان التجديد ويقفان بوجه من يحاول أن يدخل عليه محسنات أجنبية وبالخصوص الطرق الغنائية التي ابتكرها (ابن جامع) وتبناها إبراهيم المهدي ونشرها.

خلفاء بني العباس لم يعتمدوا إبراهيم المهدي مطرباً للقصر بل خلف إسحاق أبوه إبراهيم الموصلي واحتل منصب كبير المغنيين في القصر العباسي، رغم ذلك فقد كان المجتمع الحاكم في بغداد ينظر إلى المغني نظرة دونية بل ويعتبرون المهنة حقيرة لا تتناسب وشخصية مثل إبراهيم المهدي إذ يعود نسبه إلى الخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد، ولعل هذه من العوامل الأساسية التي حورب بها إبراهيم المهدي.

أسحق الموصلي وضع قواعد لفن الموسيقى، ونظام ضبط الأوزان وأحكام المقامات، فقد كان حجة في الموسيقى وأدواتها واستطاع أن يكتب عدة كتب تعتبر مرجعاً للموسيقى العربية.

إبراهيم المهدي توفي عام ‬839م بينما توفي إبراهيم الموصلي ‬806م، أما أبنه اسحاق فقد جاءه الأجل عام ‬850م.