إن أصعب حالة يمر بها الفرسان، حينما ينتصر عليهم الزمن بعد أن هزموا الشجعان والطغاة.

الفارس يظل على فرسه حتى الموت، يموت شامخاً مشرئباً برأسه يعانق الغيوم والنجوم والأقمار، ويقتله الحزن قبل الألم المرضي، لو اضطر ذات يوم أن يكون قعيداً في فراشه ينتظر الرحيل.

أين مظفر النواب..؟!! صاحب الملحمة الشعبية:

مرينا بيكم حمد ــ واحنه بقطار الليل ــ واسمعنة دك كهوة ــ وشمينا ريحة هيل

أنا أعرف مكانه الذي أوى إليه جريحاً فقد هده المرض واضطره لأن يحتجب عن أصدقائه ومريديه كأنه لا يريد أن يرينا انهزامه أمام الزمن، بعد أن كان صوته يهز أركان الطغاة من الحكام، وقصيدته سيف مسلط على رقاب كبار الدكتاتوريين، وكلماته رصاص في قلوب عسس الحكام الذين اضطهدوا شعوبهم، سقط العديد منهم، وتغيرت أسماء السلاطين، وظل صوت الشاعر خالداً يصرخ فيهم.

أولاد........ لا استثني منكم أحدا

شعر مظفر النواب مثل خيباتنا، وانكساراتنا وهزائمنا وخياناتنا، وعشقنا وحنيننا، كان شعره يمثل كل شرائح المجتمع باختلاف بيئاته وجغرافيته، هو صوت الوطن الثوري ينتقل مع البرق من شرق الوطن إلى غربه، يعشعش في قلوب الناس فلم تستطع السلطات وقف زحفه على الرغم من كل وسائل القمع التي مارستها في قمع قلوب الناس البسطاء من التواصل، ومظفر شاعر فصيح، أبدع في قصائده الفصحى، وأبدع أيضاً في لهجته المحكية، حتى جعلنا نعجز في تصنيفه بين الفصيح والمحكي، في الغزل كما في السياسة والوطنية والالتزام بالإنسان تساوى إبداعه، وتسامت كلماته، وتبلورت صوره الشعرية .

مظفر النواب كان مطارداً في زمن السلطة السابقة، ومهملاً في سلطة المحاصصة، فأي وطن ينقذ أيام مظفر الأخيرة وهو الذي لم يتوسل بأحد إلا بوطنه أن ينقذه ولا عيب في ذلك:

وطني أنقذني ــ رائحة الجوع البشري مخيفة ــ وطني أنقذني ــ من مدن سرقت فرحي ــ أنقذني من مدن يصبح فيها الناس ــ مداخن للخوف وللزبل.

هل يسمع أحد صوت النواب وهو يستغيث بوطن منكوب، خنجر مجهول في ظهر الفارس، وكرامته لا تسمح له بالسقوط، يتشبث بلجام الفرس المهزومة هي أيضاً.

يا الله.. كم هو العالم قاس، والأقسى حينما يكون الخنجر في خاصرتك من أهلك وعشيرتك.. ولا ترضى أن تبيع واحداً منهم:

يا قاتلي بكرامة خنجرك العربي ــ أهاجر في القفر ــ وخنجرك الفضي بقلبي.

أعرف مكانك أيها الجريح الذي ارتضيت أن تنوب عنا حتى في عذاباتك بعد أن ناب صوتك عنا في ثورتنا ورفضنا وانتفاضاتنا.

يا مظفر.. أخرج إلى النور.. فما زال الفجر يبزغ كل يوم.. وما زلنا نحب قصائدك، ما زال العراق يحتاج إلى صوتك.. وصدقك.. وعفويتك..