لم ينكر أحد في يومٍ من الأيام حق الولايات المتحدة بشن حرب على حركة «طالبان» في أفغانستان للإطاحة بها بعد هجمات الـ11 من سبتمبر الإرهابية.
فقد وقفت جميع دول العالم حينها دون استثناء صفاً واحداً مع واشنطن، ربما للمرة الأولى في تاريخها، اللهم إلا كوريا الشمالية والعراق بعد أن تنبهت كافة العواصم إلى أن من بإمكانه إشعال حريقٍ في الولايات المتحدة، وإلحاق ضرر بالغ بأمنها يمتلك القدرة على إسقاط أنظمة بحالها.
وبوسع المرء أن يتذكر عنوان افتتاحية صحيفة «لوموند» الفرنسية المشهور آنذاك: كلنا أميركيون!!
واليوم، وبعد مرور ثمانية أعوام على تلك الحرب بدأ الأميركيون مفاوضاتٍ سرية مع «طالبان»، تهدف إلى إشراكها في كعكة الحكم في كابول والنأي بجنودهم عن نيران الفوضى، التي تزداد سعيراً في المناطق الجنوبية والشرقية ذات الأغلبية البشتونية.
ولكن تخطئ الولايات المتحدة تماماً حينما تظن أن المفاوضات مع الحركة ستجلب الأمن لقواتها والسلام للأفغان. فهناك أسباب عديدة وجوهرية تجعل من تلك المحادثات عبثاً محضاً وهزيمةً غير معلنة بغض النظر عن إستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما التي طال انتظارها.
ويكمن الخطأ الأول في مسألة عدم فهم الأميركيين لتركيبة «طالبان» وحقيقة المنطلقات التي تصب الزيت على نار عملياتها العسكرية المتمردة، فهي حركة متطرفة مغلفة بعباءة عرقية بشتونية لا تقبل المساومة على أسسٍ حميدة، بحسب تفسيرها، ومستعدة في سبيل ذلك المضي قدماً في عمليات التفجير والاغتيالات، لأنها لا ترى في ذلك حرجاً وخطيئةُ، بل واجباً مقدساً غير قابل للنقاش. وكما في تجارب سابقة، فإن هذه الحركات تنقلب بشدة على كل من يدعهما وتنتهي إلى معاداة من كان حليفها أو مهادنها.
ولعل في دعم باكستان ل«طالبان» ومساهمة أجهزتها الأمنية في إطلاقها وما نراه الآن رغم ذلك من انقلابٍ على إسلام أباد وحملات عسكرية مضادة وهجمات ضخمة في كبرى المدن الباكستانية، مثالا واضحا على المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأمور في هذه الأحوال. تعتقد «طالبان» أن من واجبها حماية البشتون في باكستان وأفغانستان، في ظل غياب ممثلين حقيقيين لهؤلاء، والدفاع عن تطبيق مبادئٍ بنسخة «طالبانية» يخالفها فيها معظم المسلمين.
والخطأ الثاني في جلوس واشنطن إلى طاولة المفاوضات، يتلخص في أن هذه الخطوة وجهت ضربة قاصمة لما أمله الأفغان من ديمقراطيةٍ وازدهار وسلام إثر انتهاء عهد «طالبان»، وهم الذين عانوا عقوداً من الحروب الأهلية والاحتلال والفوضى بكافة أشكالها.
كما أنها ستعتبر نكوصاً واضحاً لكل ما تحدث عنه الأميركيون طيلة هذه الأعوام، وما وعد به أوباما نفسه خلال حملته الانتخابية من تسخينٍ على جبهة «القاعدة» و«طالبان».
أما الخطأ الثالث، فهو على ما يبدو من أفضى إلى سير البيت الأبيض على درب المحادثات، وهو بكل الأحوال خطأ يتحمل الأميركيون مسؤوليته بالكامل. لم تنجح واشنطن خلال عقدٍ تقريباً من الزمن ورغم وجود دعمٍ دولي سياسي وعسكري ومالي غير مسبوق حتى من جانب جيران أفغانستان في دعم تأسيس نظام سياسي قوي ومتماسك يمتلك الشرعية الدستورية وينشئ دولة المؤسسات ويحارب الفساد، ويطوي صفحة الكراهية بعملية مصالحة وطنية شاملة تعزل المشككين بشرعية الحكم.
بل تركت الولايات المتحدة على العكس من ذلك للحكومة الأفغانية المجال مفتوحاً لأن تتحول إلى جزءٍ من عملية صناعة الفساد تحت أنظار المانحين الدوليين، فأضحى هؤلاء لا يثقون بكابول ولا بمن يقف وراءها، وأدت تلك الكارثة إلى إبقاء تجارة الأفيون كمتنفسٍ وحيد لبناء اقتصاد وطنٍ مهلهل. وبدلاً من عزل «طالبان»، بات الرئيس الأفغاني حامد قرضاي منسياً في ما نالت قنابل الحركة زخماً بفعل اليأس الذي هزم الأفغان.. والأميركيين.
تكرر واشنطن إذاً أخطاءها في أفغانستان بالتحدث إلى «طالبان»، ولكن عزاء أوباما الوحيد يظهر في المثل الأميركي الذي يقول إن الشخص لا يختار أعداءه.
