كلما حانت الفرصة لإعلامي عربي أن يلتقي مسؤولا غربيا ترى عجبا. فالمسؤولون الغربيون يظلون يراوغون ويتجنبون الإجابة عن الأسئلة الشائكة في كيفية ايجاد حل للقضية الفلسطينية، وهي بؤرة الخلاف بيننا وبينهم، كما يتحولون إلى حواة حين يتعلق الأمر بإدانة مسلك إسرائيل، ولا مانع من أن يناقضوا أنفسهم فيرحبون بالديمقراطية في بلد، ويستنكرون نتائجها في بلد آخر، وأحيانا يجتمع الضدان في الحالة الواحدة رغم عدم تغير الحركات السياسية.
مثال على ذلك حالة فتح وحماس، فحين فازت الأخيرة في الانتخابات وشكلت الحكومة اجتمع العالم كله ضدها، وجرى تحريض أطراف عربية على مقاطعتها وتجفيف الدعم عنها، أما الآن وحين بدأ الحديث عن أفق لحل سياسي فإن العالم الغربي يريد حماس «داخل الخيمة» بتعبير ديفيد ميليباند وزير الخارجية البريطاني، ذلك أن وجودها في «بيت الطاعة» يؤمن لإسرائيل الأمن، أما وجودها على رأس الحكومة فكان يعني انتصار الشعب الفلسطيني لمشروع المقاومة في مقابل مشاريع التسوية التي أمعنت إسرائيل في إفشالها مشروعا بعد آخر.
وليس أدل على ازدواجية الموقف الغربي من كيفية النظر إلى نووي إسرائيل ونووي إيران، فرغم أن الأول يعود إلى الستينات وكانت حصيلته نحو 200 قنبلة نووية، فإن مجرد ذكره يختفي تماما مقارنة بنووي إيران الذي هو مشروع مدني في صلبه (ولم يقل أحد باستثناء إسرائيل أنه عسكري)، ومع ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد، والسبب الحقيقي هو الرغبة في حرمان إيران من هذه التكنولوجيا.
وإذا حادثت مسؤولا غربيا يقول بالفم الملآن إن إيران تهدد المنطقة وحصولها على هذه التكنولوجيا يمثل مصدر عدم استقرار، وأن زعماء عرب هم من يتخوفون من ذلك وليس القادة الغربيون، وهذا يمثل قمة الخداع.
فليس منطقيا أن ينشغل الزعماء العرب بمجرد حصول إيران على تكنولوجيا مدنية، بينما لا تخيفهم ترسانة إسرائيل النووية رغم أن الأخيرة خاضت ستة حروب في نصف قرن ضد دول المنطقة، بينما لم تشتبك إيران عسكريا مع دولة عربية سوى مرة واحدة تمثلت في الحرب العراقية الإيرانية التي بدأها العراق بتحريض غربي لكسر شوكة الثورة الإيرانية التي كانت لا تزال في مهدها حين نشبت الحرب.
نفس النظرة الغربية المشوهة تنطبق على التسليح العربي والتسليح الإسرائيلي، فمعظم ترسانة إسرائيل بنيت بمشاركة فنية وتمويلية بينها وبين الغرب، أما سلاح العرب فهو يشترى معلبا لمجرد تمويل الاقتصادات العسكرية الغربية، وتنزع منه أهم إمكاناته، كما حدث في صفقة الاواكس السعودية.
وإذا فكر العرب في الالتفات شرقا لتعويض ما هو محرم عليهم غربيا، فإن السفن التي تحمل السلاح تحتجز في عرض البحر وتقتاد إلى موانئ يملك فيها الغرب قواعد عسكرية وتقوم الدنيا ولا تقعد، وتتهم الأنظمة ولا تبرأ إلا إذا أعلنت التوبة وقدمت فروض الولاء وذهبت إلى البيت الأبيض أو10 داوننج ستريت أو الإليزيه.. ولا فرق (ولتسمحوا لي أن استعير لفظا من أولاد حارتنا لنجيب محفوظ) فكلها بيوت طاعة لجبلاوي واحد.
