مؤتمر جوبا يعكس بؤس السياسة السودانية. قيادات غالبية الأحزاب يلتقون للمرة الأولى في وقت يبدو حرجاً في ظل تراكم الأزمات. الأحزاب المتجمعة في عاصمة الجنوب موبوءة بالتشققات ومسكونة بضعف البنى الذاتية. تلك أحزاب لا تملك ما يكفي من الوهج لإقناع غالبية السودانيين بإنتاج ما يكفي لإطفاء الحرائق في جنبات الوطن.
ردود الأفعال المضادة للمؤتمر تنطلق من قواعد ضيقة المصالح والأفق والصدر. المؤتمر الوطني الحاكم لا يرى في المؤتمر أكثر من مؤامرة تهدد هيمنته على السلطة والثروة. هذه رؤية تفضح شمولية متجذرة وطاغية. هي رؤية تعبر عن إلحاد كفيف بالديمقراطية ورفض سافر لتداول السلطة.
المؤتمر الوطني لا يكتفي باحتكار السلطة والثروة بل يؤمن كذلك باحتكار العمل السياسي.
حزب الميرغني يفضل كدأبه الانتظار في المنطقة الرمادية حتى معرفة اتجاه الرياح، ومن ثم قطف الثمار. إذا أخفق المؤتمر تبرأ منه وشدد على حكمته النافذة حصانة ضد روح القطيع. في حال نجاح المؤتمرين أشاد كأنه كان معهم وتعذر عن عدم الحضور.
الحركة الشعبية ذهبت على طريق الشراكة مع المؤتمر الوطني وأدارت ظهرها تماماً لشركائها السابقين في المنفى.
قادة الحركة اختاروا الانكفاء على نصف السلطة ونصف الثروة ونصف الوطن. في الحالات الثلاث حصلوا في الواقع على أنصبة تقل عن الثلث. خلفاء قرنق تجاهلوا عمداً أكثر من نصف القوى السياسية في الشمال.
أليس هذا كله هو البؤس السياسي في أكثر حالاته بلاغة. ركام الأزمات السودانية أكثر عبئاً من وضعه على طاولة واحدة. تفكيك هذه القضايا أكثر استعصاء على الحلول في غضون أيام معدودة.
القوى السودانية أهدرت وقتاً طويلاً في البقاء على الرصيف، عناصر التحريض على اللقاء الجماعي والحوار أكثر من الحصر. الوحدة لم تفقد جاذبيتها فقط في الجنوب. الرهان على الحلول الخارجية في دارفور ساهم في تعقيد الأزمة وتمديدها. الضائقة الاقتصادية أكثر شراسة من تفكيكها بأنبوب النفط.
على الرغم من ذلك يبقى النهوض المتأخر أفضل من ألا تنهض. عائدات مؤتمر جوبا تتسم بالشح والضعف. المؤتمر لم يكن في الواقع مبادرة من إنتاج الحركة الشعبية. التأكيد على هذه الحقيقة ليس إدانة لقادتها بل إبراء لهم من استخدامه للمناورة أو الضغط على الشريك الأكبر.
من العبث وصم المؤتمرين بالانفصاليين. هؤلاء أكثر وحدوية من الواصمين . أهمية المؤتمر تكمن في اتخاذه قاعدة للانطلاق من أجل السودان الواحد والجديد حتى لو شكل تحالفاً ضد الآخر.
