لا يحزن المرء كثيراً أن تعمي السياسة أبصار من يمتهنونها، فيرون الباطل حقاً.. والظلم عدلاً، فذلك دأبهم، ولكن أن ينسحب الأمر نفسه على قضاة دوليين يفترض أن لديهم من النزاهة ما يعصمهم من سلوك كهذا، يكون في الأمر كارثة، ولا يعني شيئاً غير أن الفساد قد وصل بالنفوس إلى درك «أسفل ـ بشري» يجعل الحلم بالعدالة نوعاً من الهذيان.

من حيث المبدأ فإني لا أعير اهتماماً كبيراً لديانة القاضي ريتشارد غولدستون رئيس لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الأمم المتحدة لبحث العدوان على غزة، فالعدالة طبع بشري وميل فطري يفترض أن يكون متأصلاً في نفس القاضي وحاضراً في أقواله وأفعاله أياً كان دينه أو جنسيته، لكن ما يزعج حقاً هو وعي القاضي بالواقع السياسي العالمي والذي جعله يقيس الأفعال ليس بميزان عدالة معصوبة العينين، ولكن من منظور ما يمكن أن يكون مقبولاً أو غير مقبول في مجلس الأمن الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

فليس منطقياً أن يرى القاضي النزيه نوعاً من التساوي بين دولة حشدت جيشها الحديث الذي يمتلك أحدث التقنيات وأكثر الأسلحة دماراً وفتكاً، بمجموعة مقاومين شبه عزل لا يملكون ـ إن ملكوا ـ غير الكلاشينكوف.

كما أنه من الحيف مساواة المسلوبة أرضهم وبيوتهم بالمحتل الذي يريد على امتداد 61 عاماً تفريغ هذه الأرض والبيوت من أصحابها ليعيش فيها وينعم بخيراتها دون يكدر أحد صفوه أو يذكره بما سلب، ويبدو أن وشاح العدالة ليس وحده المطلوب التخلص منه بل معه عشرات الشرائع الدولية والقوانين الإنسانية التي تؤكد حق من وقع عليه الاحتلال في المقاومة بكل أنواعها.

قراءة التقرير تؤكد أن المحقق الدولي رأى ما حدث من إحدى نوافذ مستوطنة سديروت، ولم يتخيل نفسه لحظة في أحد مباني غزة التي أتى القصف على بنيانها من القواعد.

الحسنة الوحيدة في تقرير غولدستون ولجنة تقصي الحقائق هو التوصية بإحالة الموضوع إلى محكمة الجنايات الدولية إذا لم يقدم الطرفان نتائج تحقيقات رسمية تعترف بالانتهاكات وتعاقب من قاموا بها العقاب المناسب، طبعاً الأمر يحتاج إلى معجزة كي يمر في مجلس الأمن، لكن إذا مر فستكون أول مساءلة دولية لدولة لم تقم من شعر رأسها إلى أخمص قدميها إلا على أعتى أصناف الإرهاب الدولي.

magdishendi@hotmail.com